| جزء من سلسلة مقالات حول |
| التصوف |
|---|
الْفَتْحُ عندالصوفية هو انكشافالحقيقة لعينالبصيرة لدىالمريدوالسالك ضمن مقامالإحسان.[1]
ذكرالقرآن كلمة الفتح ضمن العديد من الآيات في قولالله
:
الفتح معناه هو إدراك ومعرفةالأسرار الإلهية بما يجعل المريد يرضى بقضاء الله وقدره ويسلم أمره لله
.[2]
وهذا الفتح الرباني يكون بشكل يليق بجلال الله
الذي من أسمائه الحسنى اسمُالْفَتَّاحِ الذي يكشف الغمة عن عباده، ويسرع الفرج إليهم، ويرفع الكرب عنهم، ويزيل الضراء عنهم، ويفيض الرحمة عليهم، ويفتح أبواب الرزق لهم.[3]
فالله
هو الفتاح العليم، الذي يفتح أبوابالرحمة على عباده، ويسرع إليهم بالفرج والتوسعة وفك المعضلات والمشكلات، لأنه من عرف أن ربه هو الفتاح وثق به في كل أمر، وارتاح إليه في كل مهم، ورجع إليه في كل شيء.[4]
المريد المستقيمُ على أمر الله
تجعلُهاستقامته يتذوق ويتلذذ بثمرات الفتح على قلبه كنوع من أنواعالواردات التي منها:[5]
بَيَّنَ الإمامابن عطاء الله السكندري
أهمية فتحالتعريف على قلوب المريدين، وذلك فيحكمته التي نصها:[6]
| إِذَا فَتَحَ لَكَ وِجْهَةً مِنَالتَّعَرُّفِ فَلاَ تُبَالِ مَعَهَا أَنْ قَلَّ عَمَلُكَ؛ فَإِنَّهُ مَا فَتَحَهَا لَكَ إِلاَّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَيْكَ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ التَّعَرُّفَ هُوَمُورِدُهُ عَلَيْكَ، وَالأَعْمَالَ أَنْتَمُهْدِيهَا إِلَيْهِ؟ وَأَيْنَ مَا تُهْدِيهِ إِلَيْهِ مِمَّا هُوَ مُورِدُهُ عَلَيْكَ؟ | ||
فعلى خلافالخوارج الذي يعتمدون على ظاهر الأعمال دون التزام الأدب مع الحق والخَلْقِ، فإنالسالكَ السائرَ إلى الله
يُهْدِيأورادَ أعمالِه الظاهرةِ إلى مولاه
وهو يراعي في ذلك الأدب معه وانتظار القَبول منه.[7]
فإذا فتح الحق
باباً من أبوابه للتعرف على المريد المحبوببأسماء الله الحسنىوصفات الله العلياوالتجلي والشهود، فلا يجب أن يتأثر السالك عند ذلك إن قل عمله الحسي، لاشتغاله بعمله المعنوي المرتبطبأنوار التجلياتوحقائق الصفات، والأمر هو أن العمل الكثير معالحجاب قليل، والعمل القليل مع الشهودوالكشف كثير.[8]
فهذا الفتح يُرْجِعُالمريد إلى منهجالوسطية والاعتدال بعد فَوْرَةِ وكثرة الأعمال التي تَعْقُبُ التوبة والالتزام والتعبد من بعد مرحلة الغفلة والزيغ والتيه، لأنه في بدايةالتعريف يشتغل العابد بالمعارف عن الإكثار من نوافلالتكليف فتقل رياضاته التعبدية، ولكنه يعود من جديد إلى الازدياد من القربات عند نهاية مرحلة التعريف.[9]
وإذا كانت جهة هذا التعرف كالأمراض والبلايا والفاقات، فإنها سبب لمعرفة الله
بصفاته كاللطف والقهر وغيرهما، والمريدُ المخاطَبُ بذلك هو المتيقِّظُ دون المرتبِكِ في حبال الغفلة الذي يسخط عند نزولها، ولا شك أن هذا أعظم من كثرة الأعمال التي تطالب بوجود سرالإخلاص فيها.[10]
أَوْضَحَ الإمامابن عطاء الله السكندري
أهمية فتحالتفهيم على قلوب السالكين، وذلك فيحكمته التي نصها:[11]
| مَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ فِى الْمَنْعِ، عَادَ الْمَنْعُ عَيْنَ الْعَطَاءِ | ||
فحينما يفهم المريدالحكمة من الهموم والغموم والمصائب المتنزلة عليه، فإن ذلك يرده إلى مولاه ويصله به، وهي عندئذ عين النعمة التي تصلهبالحقائق وتقطعه عنالخلائق، ومن مقتضيات هذا الفهم عن الله
وجودالرضا عنه الذي هو جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ وحالة حسنة، ومفتاح كل خير وبر.[12][13]
ففتح بابالفهم على المريد ليُدرك معنى المنع كرحمة متنزلة من الله
عليه في مصيبته وفاقته هو نعمة جليلة، لأنه لولا علم الله
بأن ذلك خير له من العطاء والتوسعة ما أنزل الضر به، فصار بذلك فهم حكمة المنع هو عين العطاء والتفضل على العبد.[14][15]
شَرَحَ الإمامابن عطاء الله السكندري
أن الفتح بالطاعة دون التزام المفتوح عليه بأدبالتواضع قد يكون سببا في عدم قبول عمل السالكين، وذلك فيحكمته التي نصها:[16]
| رُبَّمَافَتَحَ لَكَ بَابَ الطَّاعَةِ وَمَا فَتَحَ لَكَ بَابَ الْقَبُولِ، وَرُبَّمَا قَضَى عَلَيْكَ بِالذَّنْبِ فَكَانَ سَبَبًا فِى الْوُصُولِ | ||
فباب الطاعة المفتوح على المريد علما وعملاً وحالا قد يقترن بآفة قادحة تمنع قبولها من الله
، وهذا المانع هو التعزز بحصول العبادات ورؤيتها؛ لأن قبول الأعمال لا يكون إلا بالذل والافتقار وشهود التقصير والانكسار.[17]
وحينما يكون المريد متصفا بهذا التواضع المحمود، فإن الذنب المقضي عليه ظاهرا سوف يكشف له عجزه عن القيام بحق الله
، فيكون هذا الافتقار سببًا في الوصول إلى مرضاة الحق لما يترتب على التواضع من رجوع بالتوبة والإقلاع وموافقة الحق ومخالفة الطباع.[18]
شَرَحَ الإمامابن عطاء الله السكندري
أن ألم وحشة المريد منالمخلوقات قد يكون مقدمة لحلاوة الفتحبالأنس بمعية الله
، وذلك فيحكمته التي نصها:[19]
| مَتَى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْيَفْتَحَ لَكَ بَابَ الأُنْسِ بِهِ | ||
فمتى أوحش اللهُ
عبده المريد منمخلوقاته بأن نفّر قلبه من الاستئناس بهم، فليعلم هذا العابد بأن مولاه يريد أن يفتح لك باب الأنس به ليصير له وحده.[20]
وهذا النفور من الاجتماع بالأغيار والركون إليهم قد يفتح للسالك باب الأنس بالله
لأن القلب إذا نفر من الخلق تعلق بالحق وأقبل عليه بكليته، ومتى فتح له هذا الباب صيّره من الأحباب وآنسه بالخطاب.[21]
فإذا أراد المولى
أن يؤنس عبدهبذكره، ويتحفهبمعرفته، أوحشه من خلقه وشغله بخدمته، وألهمه ذكره، حتى إذا امتلأ قلبهبالأسراروالأنوار، وتمكن من حلاوة الشهود والاستبصار ردّه إليهم رحمة لهم.[22]
أَوْرَدَ الإمامابن عطاء الله السكندري
بأن المريد عليه أن ينتظر من الله
أن يفتح له بابالرجاءوالخوف ليعتدل بذلك مزاج وأمرعبادته، وذلك فيحكمته التي نصها:[23]
| إِذَا أَرَدْتَ أَنْيَفْتَحَ لَكَ بَابَالرَّجَاءِ فَاشْهَدْ مَا مِنْهُ إِلَيْكَ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْيَفْتَحَ لَكَ بَابَالْخَوْفِ فَاشْهَدْ مَا مِنْكَ إِلَيْهِ | ||
فالرجاء والخوف حالان عن مشاهدتين، فمن أراد أن يفتح له باب الرجاء فليشهد ما من الله
إليه من الفضل والكرم والإسعاف والألطاف، وليستحضر في نفسه ماهو واصل منه إليه من جلب المنافع ودفع المضار، فسيغلب عليه حينئذ حال الرجاء، وعدم اليأس من رحمته، ولو مع الوقوع في الذنب.[24]
وإذا غلب على المريد الرجاء، وخاف أن يوقعه ذلك في المخالفات والمعاصي، وأراد أن يُفْتَحَ له باب الخوف، فليشهد ما يبدر ويصدر منه إلى الله
من الأخطاء والهفوات وسوء الأدب بين يديه، وأراد أن يفتح لك باب الحزن ليكفه ذلك عن التقصير، فسيغلب عليه حينئذ حال الخوف فيقلع عن مخالفته.[25]
بَيَّنَ الإمامابن عطاء الله السكندري
بأن المريد المفتوح عليه يعاينشهود عظمة الله
، وذلك فيحكمته التي نصها:[26]
| الْكَائِنُ فِىالْكَوْنِ وَلَمْتُفْتَحْ لَهُ مَيَادِينُالْغُيُوبِ مَسْجُونٌ بِمُحِيطَاتِهِ وَمَحْصُورٌ فِىهَيْكَلِ ذَاتِهِ. أَنْتَ مَعَ الأَكْوَانِ مَا لَمْ تَشْهَدْالْمُكَوِّنَ، فَإِذَا شَهِدْتَهُ كَانَتِ الأَكْوَانُ مَعَكَ | ||
فالمريد باعتباره إنسانامخلوقا كائنا فيالكون، هو موجود في الحياة الدنيا لعبادة خالقه
، فإذا لم تُفْتَحْ ميادينالغيوب علىقلبه ليستقبلالعلوموالمعارف الشبيهة بالميادين، فإنه يبقى ويظل مُحَاصَرًا وَمُحَاطًا بشهواته ولذاته وترابيته، كما ورد في قول الله
:[27]
فإذا كان المريد غافلا مُعْرِضًا عن ربه، ورَاكِنًا مكتفيا بالعلم الظاهر من دنياالأكوان، فإنه يبقى واقفا مع رسوم العوالم ومستندا إليها، وهي مستبعِدةٌ له ما لم يَشْهَد عظمة الله المكوِّن
، كما ورد فيالآية القرآنية الكريمة:[28]
وإذا شهد المريدُ جلالَ مولاه صارت بذلك الأكوانُ خادمةً له، وكان هو مستغنيا عنها ومالكها وهي محتاجة إليه، فيصير بذلك طلب السالك حاصلا، وقوله ناجزا بإذن الله
.[29][30]
يجب علىالمريد أن يزدادأدباوتواضعا مع الله
حين يتنزل الفتح علىقلبهوبصيرته، لأنه لا عبرة بهذا الفتح علىالسالك إذا لم يظهر عليه سمتالعارفين.[31]
ومن أخطر أنواع سوء الأدب التي قد يتورط فيهاالمفتتن بالفتح عليه، أن يتحجج بإسقاطالتكليف الشرعي عنه لأنه وصل إلى مرضاة الله
التي ترفع عنه ثقل ومشقة الالتزامبالأحكام الشرعية والمتمثلة في أحكام العبودية منالواجباتوالمندوباتوالمحرماتوالمكروهاتوالمباحات.[32]
وهذا الزيغ قد وقع فيهالمرجئة الذين زعموا أنه لا يلزم بعدالمعرفة الوقوف عند حدودالشريعة الإسلامية والالتزام بها، لأنه في زعمهم لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا تنفع مع الكفر طاعة.[33]
وقد بَيَّنَ التابعيسعيد بن جبير
خطورة استهتار المريد بطاعته وعبادته بعد بروز وظهور بوادر الفتح عليه، وذلك في قوله:[34][35]
| إِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا، وَإِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا، فَالزَّيْغُ وَلُودٌ، كَمَا أَنَّ الإِحْسَانَ وَلُودٌ وَدُودٌ | ||
وَأَوْضَحَ التابعيعروة بن الزبير
فضيحة تسلسل العيوب والمخالفات التي قد يُعَاقَبُ بمقارفتها والاسترسال فيها المريدُ المبتهجُ بالفتح عليه دون أدب وتواضع منه مع خالقه
، وذلك في قوله:[36]
كثير من العلماء المسلمين ألفوا كتبا افتتحوا عناوينها بكلمات الفتح والفتوح والفتوحات، وذلك للتدليل على المنن والرحمات الربانية المتنزلة عليهم، منها:[37][38]