ورد ذكرصلب يسوع فيالأناجيل الأربعة، المشار إليها فيالعهد الجديد، ويشهد على ذلك أيضًامصادر قديمة أخرى، وبالتالي يعتبر صلب يسوع كحدث تاريخي أكدته مصادر غير مسيحية،[2] رغم عدم وجود توافق في الآراء بشأن تفاصيل دقيقة لما حدث بالضبط.[3][4]
يُشار إلى الحدث في التقاليد المسيحية باسم آلام ومعاناة يسوع وموته الفدائي على الصليب وهي من الجوانب الرئيسية فياللاهوت المسيحي بشأنعقيدة الخلاصوسر الفداء.
صلبيسوع الناصري لوحة من القرون الوسطى تعود إلى القرن الثاني عشر.
في الدراسات الحديثة تعتبر كل منمعمودية يسوع وصلبه حدثين من بعض الحقائق التاريخية عن يسوع.[5][6] على سبيل المثال، يذكرجيمس دن وهو أحد علماء العهد الجديد البريطانين أن هذينِ الحدثين «حقيقتان في حياة يسوع والتي تحظى بموافقة عالمية تقريبًا» و «رتبة عالية جدًا من اليقين الذي يكاد يكون من المستحيل الشك فيه أو نفيه» وذلك على نطاق الحقائق التاريخية «التي غالبا ما تكون نقاط انطلاق لدراسة يسوع التاريخي».[5] يذكربارت إيرمان أنّ صلب يسوع قد تم بناء على أوامر منبيلاطس البنطي وهو العنصر الأكثر تأكيدًا.[7] كما يأكدجون دومينيك كروسان أنّ صلب المسيح يُعد حقيقة تاريخيّة كما يجب أن تكون.[8] قال إدي وبويد أنه الآن أصبح «راسخًا» التأكيد الغير المسيحي لصلب يسوع.[9] كما يؤكدكريغ بلومبرغ على أن معظم العلماء فيالسعي التاريخي الثالث ليسوع قالوا أن حادثة صلب يسوع حقيقة لا جدال فيها.[10] وفقًالكريستوفر إم توكيت أحد علماء الكتاب المقدس البريطانيين وكاهن في الكنيسة الإنجليكانية قال إنه على الرغم من أن الأسباب الحقيقية لموت يسوع من الصعب تحديدها، فإن واحدة من الحقائق التي لا جدال حولها هو أنه قد صلب.[11]
أيقونة آلام المسيح، وهي مركبة من تصور أربعة أحداث: من الأعلى وإلى اليمين: القبض على يسوع على جبل الزيتون من الأعلى وإلى اليسار: جلد يسوع من الأسفل وإلى اليمين: حمل الصليب من الأسفل وإلى اليمين: الصلب
كان في عادة الرومان أن يجلدوا المحكومين عليهم قبلًا، وبحسب مؤرخي ذلك الزمان فإن عملية الجلد تتم بتعرية القسم العلوي للشخص مع ربط يديه إلى عمود ثم جلده بسوط ثلاثي، وكثيرًا ما كان المحكومون يموتون خلال عملية الجلد نفسه.[12] ولم يكتف الجند الرومان بجلده، بل جدلوا له تاجًا من شوك، وألبسوه رداء أرجوان كنوع من السخرية بوصفه ملكًا، كما أخذوا بلطمه. والمكان التقليدي لهذه الحوادث هو قلعة أنطونيا، الماثلة آثارها إلى اليوم فيالقدس.
خرج يسوع حاملًا صليبه عبر طرق القدس، لكنه عجز عن المتابعة فسخر له الجندسمعان القيرواني لحمل الصليب، والراجح أن سمعان قد اعتنقالمسيحية وأبناءه وأصبح ذا شأن في الكنيسة المبكرة، إذ ذكر فيالرسالة إلى روما.[13] وقد تبع يسوع حسب روايةإنجيل لوقا:جمع كبير من الشعب والنساء كن يُولْولنَ ويندبنه. فالتفت إليهن يسوع وقال: "يا بنات أورشليم لا تبكين علي بل ابكين على أنفسكن وأولادكنّ. فإن كانوا قد فعلوا هذا بالغصن الأخضر فماذا يجري لليابس؟".لوقا 23/27-31،28] وأخيرًا وصلوا إلى تلة تدعى «الجمجمة»وبالعبرية «الجلجثة» ومعناها العارية،وهناك صلبوه وصلبوا معه رجلين واحدًا من كل جانب ويسوع في الوسط.يوحنا 19/19] وبعد أن صلبوه تقاسم الجند ثيابه واقترعوا على ثوبه، أما يسوع فكانت أولى كلماته على الصليب كما يدونهاإنجيل لوقا:"يا أبت اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون".لوقا 23/34] وبحسبالأناجيل الإزائية فإن أغلب الجمع الحاضر والمارة أخذوا يشتمونه ويعيرونه بما قاله أو صنعه سابقًا:"خلصّ غيره أما نفسه فلا يقدر أن يخلصها".متى 27/42]
يقول المؤرخويل ديورانت مؤلف سلسلةقصة الحضارة، نقلًا عن الخطيب الرومانيشيشرون أن الصلب يعتبر أقسى طرق الموت الرومانية وأكثرها ابتكارًا، فبعد أن يجلد المحكوم عليه يتحول إلى كتلة لحم متوهجة ثم يثبت على الصليب بمسامير في اليدين والرجلين ويترك على هذه الحالة حتى يموت؛ وربما تعفن جسده أو قامت الحشرات والطيور بالاستيطان به، وقد كان الجنود عادة يقومون بتقديم الخل للمحكومين، وهو نوع خمر رخيص، حتى يسكر المحكوم فيخفف ذلك من آلامه،[14] هذا ما يتفق معالأناجيل الأربعة التي تذكر أنه عندما قُدم الخل ليسوع، رفض أن يشربه، وذلك لأنه أراد أن يتحمل الألم، فوفق العقائد المسيحية، بآلامه رفع يسوع خطايا العالم.[15]
أيقونة «المسيح المصلوب»، ويشير الشعر المنسدل على نصف وجه يسوع، إلى طبيعته الإلهية التي لم تتأثر بالموت حسب العقائد المسيحية. بريشة فيلزاكيز1603.
موت المصلوب يتم بسبب الاختناق، حيث وبنتيجة الضغط المستمر علىالحجاب الحاجز وعظم الرجلين، يعجز الجسم عن تحمل هذا الضغط بعد فترة معينة، فيموت واختناقًا، وغالبًا ما كان الجند يكسرون ساقي المصلوبين للتسريع في عملية الموت. وقد تنبأأشعياء أنالمسيح عندما يأتي سيلاقي آلامًا جمّة:
لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها؛ ونحن حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومذلولًا. وهو مجروح لأجل معاصينا ومسحوق لأجل آثامنا، وبجبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا، مال كل واحد إلى طريقه، والربّ وضع عليه إثم جميعنا. ظلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه! كشاة تساق إلى الذبح وكشاة صامتة أمام جازيها لم يفتح فاه! سكب للموت نفسه، وأحصي مع الأثمة وهو حمل خطيئة كثيرين وشفع في المذنبين.[16]
ترافق موت يسوع مع حوادث خارقة في الطبيعة على ما تذكره الأناجيل، فقد أظلمت الأرض واحتجبت الشمس تحقيقًا لنبؤةعاموس:ويكون في ذلك اليوم، يقول السيّد الرب، أني أحجب الشمس في الظهر وأقتم الأرض في يوم نور.عاموس 8/4] وانشق الستار الفاصل بين قدس الأقداس فيالهيكل وقسم العامة، ما يدل رمزيًا إلى انتهاء الحاجز بينالله والناس، وفقعلم اللاهوت.[17] كما تزلزت الأرض وقامت أجساد بعض الموتى، وبنتيجة هذه الحوادث أشهر قائد المئة الذي يتولى حراسة يسوع إيمانه به.[18]
كانبيلاطس البنطي قد أمر أن تكسر أرجل المصلوبين تسريعًا لموتهم، وذلك حتى لا تبقى جثثهم معلقة في سبت الفصح العظيم حسبالشريعة اليهودية، كون ذلك يشكل انتهاكًا لحرمة السبت وفقالشريعة،يوحنا 19/31] لكن الجند لم يكسروا ساقي يسوع لكونه قد مات، وعدم كسر العظام هو من شروط حمل الفصح المنصوص عنها فيسفر العدد ويسوع حسب العقائد المسيحية، قد تحوّل إلى حمل الفصح ولمرة واحدة للأبد.[19] واستعاض الجند عن ذلك، للتأكد من موته، بطعنه، فخرج الدم والماء، وربما كان الماء الخارج المذكور فيإنجيل يوحنا كما يقترح عدد من الباحثين ومفسري الكتاب المقدس، هو مصل الدم، فتأكد بذلك الجند من وفاته. ويعتقد المسيحيون أن ذلك إنما تم تحقيقًا لنبؤة زكريا بن برخيا:"سينظرون إلى ذلك الذي طعنوه".يوحنا 19/37]
يؤمنالمسلمون أنعيسى بن مريم لم يُصلَب بينما صُلب شبيه له لأن أحد تلاميذ المسيح أخبر اليهود بموقعه فشبهه الله بصوره المسيح، وأن الله رفع عيسى بن مريم إليه إلى أن يحين الوقت الذي يبعثه الله ثانيا إلى الأرض ليقتلالمسيح الدجال عند قرب يوم القيامة ثم يموت ليبعث حيا يوم القيامة. وقد ورد ذلك صريحًا في القرآن حيث ورد فيه: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)﴾ (سورة النساء:157-158).
ويرى البعض من غير المسلمين أن الآية 33 منسورة مريم: «وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا»، والآية 55 منسورة آل عمران: «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ..». والآية 117 منسورة المائدة: «مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»، تدل على أن المسيح صلب ومات ومن ثم بعث حيًا من جديد. إلا أن بعض المفسرين المسلمين يرون بأن المقصود هو أن الله رفعه إليه حيًّا، وأنه سيموت بعد نزوله ثانية إلى الأرض وهذا هو المقصود في الآية (ويوم أموت) وكلمة(مُتَوَفِّيكَ) هنا لا تعني الموت، بل تعني (آخذك وافيا بروحك وبدنك)، ويذكرون دليلا آخر على ذلك ما ورد فيسورة الأنعام، الآية 60: «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ»، وهنا (يتوفاكم) تعني (ينيمكم).
^Eddy & Boyd (2007)The Jesus Legend: A Case for the Historical Reliability of the Synoptic Jesus Tradition Baker Academic,ISBN 0-8010-3114-1 page 127 states that it is now "firmly established" that there is non-Christian confirmation of the crucifixion of Jesus.
^Jesus of Nazareth by Paul Verhoeven (Apr 6, 2010)ISBN 1-58322-905-1 page 39
^A Brief Introduction to the New Testament by Bart D. Ehrman 2008ISBN 0-19-536934-3 page 136
^Crossan, John Dominic (1995).Jesus: A Revolutionary Biography. HarperOne. ص. 145.ISBN:0-06-061662-8. مؤرشف منالأصل في 2021-03-07.That he was crucified is as sure as anything historical can ever be, since both Josephus and Tacitus ... agree with the Christian accounts on at least that basic fact.
^Eddy, Paul; Boyd, Gregory (2007).The Jesus Legend: A Case for the Historical Reliability of the Synoptic Jesus Tradition Baker Academic,ISBN 0-8010-3114-1 page 127
^Jesus and the Gospels: An Introduction and Survey by Craig L. Blomberg 2009ISBN 0-8054-4482-3 pages 211–214
^The Cambridge Companion to Jesus by Markus N. A. Bockmuehl 2001ISBN 0-521-79678-4 page 136