تزوجها النبي بعد طلاقها من متبنَّاه السابقزيد بن حارثة، بعد أن أجاز الوحي زواج الرجال من زوجات أدعيائهم، فيما يعده المسلمون زواجًا بأمرٍ من الله،[6] فكانت زينب تفخر على نساء النبي وتقول: «زوجكنَّ أهليكنَّ وزوجني الله من فوق سبع سموات».[7]
أسلمت زينب بنت جحش قديمًا وبايعت،[3][29] ولم تذكر كتب التراجم قصة إسلامها،[30] قيل بأنهاهاجرت إلى الحبشة، ثم عادت إلىمكة، حيث ورد في كتاب «شهداء الإسلام في عهد النبوة» ما نصه: «وكان على رأس بني جحش عبد الله بن جحش سيد الحي، دعا رسول الله دعوته فآمن به قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم ثم أمرهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة فهاجر هو وأخوه أبو أحمد وأخواتهما زينب وحمنة وأم حبيبة ثم حين عادوا إلى مكة أمرهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالهجرة إلى يثرب فهاجر الحي بأكلمه، من ذهب منهم إلى الحبشة ومن لم يذهب».[31]
بينما استبعد البعض أن تكون زينب قد هاجرت إلى الحبشة، بسبب عدم وجود أي دليل أو رواية تثبت صحة ذلك، كما لم يرد اسمها ضمن أسماء المهاجرين، وقيل بأنها بقيت في مكة وقت هجرة المسلمين إلى الحبشة.[4] وقد هاجرت إلى يثرب بعد هجرة النبي إليها،[4] وكانت من المهاجرات الأُوَل.[5]
يُروى أنَّ زينب تقدم لخطبتها رجال من قريش، فأرسلت زينب إلى النبي تستشيره، فاختار لها النبيزيد بن حارثة زوجًا، فقالت: «أنا ابنة عمتك يا رسول الله، فلا أرضاه لنفسي»، فأنزل الله:﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فأرسلت زينب إلى النبي، ورضيت بذلك، وجعلت أمرها للنبي، فزوجها منزيد بن حارثة، وساق لها رسول الله عشرة دنانير، وستين درهمًا، وخمارًا، ودرعًا، وإزارًا، وملحفة، وخمسين مُدًّا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر.[32][33] وكان هذا الزواج مثالًا لتحطيم الفوارق الطبقيَّة الموروثة قبل الإسلام، إذ إنَّ زيدًا -وهو أحد الموالي- تزوّجَ زينبَ التي كانت من طبقة السادة الأحرار.[6]
مكثت زينب عند زيد قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما الخلاف، فهمّ زيد بتطليقها، فردّه النبي قائلًا: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ»، ثم طلقها زيد.[6][32][33] قالأبو بكر بن العربي: «إنما قال لزيد أمسك عليك زوجك، اختبارًا لما عنده من الرغبة فيها أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه أذن له في طلاقها».[34]
الآيات منسورة الأحزاب (37: 40) التي نزلت بزواج النبي من زينب بنت جحش. تعود هذه اللقطة الممسوحة ضوئيًا إلى العام 1874.
بعد طلاق زينب من زيد بن حارثة، وانقضاء عِدَّتها، نزلت الآية التي تزوج فيها النبي من زينب، قال تعالى:﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا٣٧﴾ [الأحزاب:37]، فجاء أن النبي كان جالسًا يتحدث مع عائشة، فأخذته غشية، فسُرّيَ عنه، وهو يبتسم، ويقول: «من يذهب إلى زينب، ويبشرها أن الله قد زوجنيها من السماء».[35] ورُويَ أن النبي أرسل زيد بن حارثة لزينب، وقال له: «مَا أَجِدُ أَحَدًا أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنْكَ، اذهب، فاذكرني لها»، يقول زيد: «فلما قال ذلك عظمت في نفسي، فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب أبشري، فإن رسول الله يخطبك»، ففرحت بذلك، وقالت: «ما أنا بصانعةٍ شيئًا، أو ما كنت لأحدث شيئًا، حتى أُؤامر ربي». فقامت إلى مسجد لها فصلت ركعتين، وناجت ربها، فقالت:
اللهم إنَّ رسولك يخطبني، فإن كنت أهلًا له، فزوجني منه.
فنزل الوحي بقوله تعالى:﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا٣٧﴾ [الأحزاب:37]، فجاء رسول الله حتى دخل عليها بغير إذن.[32] وكانت تلك الآية تشريعًا يسمح بزواج الرجل من طليقة متبناه.[6]
ورُوي عنابن عبّاس أنَّ زينبَ لما أُخبِرَت بتزويج رسول الله لها سجدت.[36] كما ذكرالبلاذري عنعمرو الناقد أنَّ زينب لما بُشِّرَت بتزويج الله نبيه إياها، ونزول الآية في ذلك، جعلت على نفسها صوم شهرين شكرًا لله، وأعطت من بشَّرها حليًا كان عليها.[37] كما ذكرالماوردي عنالضحاك: «فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يومئذٍ في عُسرةٍ، فأصدقها قربةً وعباءةً ورحى اليد ووسادةً حشوها ليف، وكانت الوليمة تمرًا وسَويقًا».[38]
ولما خرج النبي إلىغزوة الطائف كانت معه من أمهات المؤمنين اثنتان؛ إحداهما أم سلمة، وذكرالواقدي أنّ الأخرى زينب بنت جحش، فضُربت لهما قبتان، وصلى النبي بين القبتين.[9][44] كما شاركت زينب فيغزوة خيبر، وأطعمها النبي بخَيْبَر ثمانين وَسْقًا تمرًا وعشرين وَسْقًا قمحًا، ويقال: شعيرًا.[8] كما كانت مع الرسول فيحجة الوداع. ثم إنها بعد وفاة النبي عام11 هـ لزمت بيتها، وكان كل نساء النبي، يحججن إلاسودة بنت زمعة وزينب بنت جحش، قالتا: «لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم».[11][12]
كان لزينب عند النبي مكانة رفيعة، فقد قالت أم المؤمنين عائشة عنها: «كانت زينب هي التي تساميني من أزواج النبي، ولم أرَ امرأةً قطُّ خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقةً، وأشدَّ ابتذالاً لنفسها في العمل الذي يُتصدَّق به، ويُتقرب به إلى الله، ما عدا سَوْرة من حدَّةٍ كانت فيها تُسرع منها الفيئة»، وقد وصفها النبي بأنها أوَّاهة(1).[6] وعُرف عنها حبها للخير وكثرةتصدُّقها، حتى عُرفت بأم المساكين،[15][16] وعُرف عنها أيضًا زُهدها في الدنيا،[6][17] وكانت تفتخر على نساء النبي وتقول: «زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات»،[7] وقد رُوي أن زينب قالت للنبي: «أنا أعظم نسائك عليك حقًا، أنا خيرهنَّ مَنكحًا، وأكرمُهنَّ سترًا، وأقربهنَّ رحمًا، وزوجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل عليه السلام هو السفير بذلك، وأنا بنت عمتك، ليس لك من نسائك قريبة غيري».[7][45] ورُوي عنعاصم الأحول أنَّ رجلًا من بني أسد فاخر رجلًا، فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من فوق سبع سماوات؟ يعني زينب بنت جحش.[46]
تُوُفِّيَتْ زينب بنت جحش سنة20 هـ، حسب المشهور، وقيل: بل تُوُفِّيَتْ سنة21 هـ، وفيها افتتحتالإسكندرية، وكان لها من العمر 53 سنة، وهي أوَّل نساء النبي لحَاقًا به.[14][53][54] وروىمسلم فيصحيحه عنعائشة بنت أبي بكر أنها قالت: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ».[55]
وقد رُوي أنها حين حضرتها الوفاة قالت: «إني أعددت كفني، فإن بعث عمر لي بكفنٍ فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذا دليتموني أن تتصدقوا بحقوتي فافعلوا»، وقد ماتت ولم تترك درهمًا ولا دينارًا، كما روى ابن كعبٍ أنّ زينب أوصت أن لا تتبع بنار، ورُوي عنمحمّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْميّ قال: «أوصت زينب بنت جحش أن تُحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل عليه نعش، وقبل ذلك حُمل عليه أبو بكر الصّدّيق، وكانت المرأة إذا ماتت حُمِلَتْ عليه حتى كان مروان بن الحَكَم فمنع أن يُحمل عليه إلاّ الرجل الشّريف، وفرّق سُررًا في المدينة تحمل عليها الموتى».[56][57]
وحُفر لهابالبَقِيع عند دارعَقيل فيما بين دارعقيل ودارابن الحنفيّة، وصلى عليهاعمر بن الخطاب، وأنزلها في قبرها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش،وأسامة بن زيد، وابن أخيها عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، وابن أختهامحمد بن طلحة بن عبيد الله، ونقل اللبن من السُّمينة فوضع عند القبر، وكان يومًا صائفًا، وأمر عمر بفُسطاط فضرب بالبَقيع على قبرها لشدّة الحرّ يومئذٍ فكان أوّل فُسطاطٍ ضرب على قبرِ بالبقيع.[13][14][58] وذكرابن سعد «أَخْبَرَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَخْرُجُونَ بِهِمْ سَوَاءً. فَلَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أَمَرَ عُمَرُ مُنَادِيًا فَنَادَى: ألا لا يَخْرُجُ عَلَى زَيْنَبَ إِلا ذُو رَحِمٍ مِنْ أَهْلِهَا. فَقَالَتْ بِنْتُ عُمَيْسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا أُرِيكَ شَيْئًا رَأَيْتُ الْحَبَشَةَ تَصْنَعُهُ لِنِسَائِهِمْ؟ فَجَعَلَتْ نَعْشًا وَغَشَّتْهُ ثَوْبًا. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا! مَا أَسْتَرَ هَذَا! فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى أَنِ اخْرُجُوا عَلَى أُمِّكُمْ».[59]
«1»:الأوَّاه: الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ كثير الدعاء،[6] وقيل الأوّاه: الرحيم، وقيل الموقن. انظر تفسير الطبري في قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} -التوبة/114-
«2»:المغافيرُ: هو صَمغٌ حُلوُ المذاقِ له رائحةٌ كريهةٌ.[60][61]
^ابجابن الأثير (1994).أسد الغابة في معرفة الصحابة. تحقيقُ: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود (ط. الأولى). دار الكتب العلمية. ج. الجُزء السابع. ص. 126. مؤرشف منالأصل في 2021-08-28.
إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف (تم تحميله في/ ربيع الأول 1433 هـ).الموسوعة العقدية. شبكة الدرر السنية. ج. ج. 7. ص. 455. مؤرشف منالأصل في 5 يناير 2022.{{استشهاد بكتاب}}:تحقق من التاريخ في:|تاريخ النشر= (مساعدة)
^الصفدي؛ المحقق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى (1420هـ- 2000م).الوافي بالوفيات. بيروت: دار إحياء التراث. ج. الجُزء الخامس عشر. ص. 39. مؤرشف منالأصل في 29 سبتمبر 2021.{{استشهاد بكتاب}}:تحقق من التاريخ في:|تاريخ= (مساعدة)
^عبد الملك بن هشام؛ تحقيقُ: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي (1375هـ - 1955 م).سيرة ابن هشام (ط. الثانية). شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. ج. الجُزء الثاني. ص. 482. مؤرشف منالأصل في 14 أغسطس 2021.{{استشهاد بكتاب}}:تحقق من التاريخ في:|تاريخ النشر= (مساعدة)
^جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر/السيوطي (2015). طارق فتحي السيد (المحرر).الدر المنثور في التفسير المأثور. دار الكتب العلمية. ج. الجزء الخامس. ص. 383. مؤرشف منالأصل في 2022-01-27.
^البغوي ، أبو محمد؛ المحقق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش (1417 هـ - 1997 م).تفسير البغوي (ط. الرابعة). دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة. ج. الجًزء السادس. ص. 369. مؤرشف منالأصل في 29 سبتمبر 2021.{{استشهاد بكتاب}}:تحقق من التاريخ في:|تاريخ النشر= (مساعدة)
^ابيوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي؛ المحقق: د. بشار عواد معروف (1400 - 1980).تهذيب الكمال في أسماء الرجال (ط. الأولى). بيروت: مؤسسة الرسالة. ج. الجُزء الخامس والثلاثون. ص. 184-185. مؤرشف منالأصل في 2021-08-25.{{استشهاد بكتاب}}:تحقق من التاريخ في:|تاريخ النشر= (مساعدة)
^الذهبي (1985).سير أعلام النبلاء. المحقق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط (ط. الأولى). مؤسسة الرسالة. ج. الجُزء الثاني. ص. 218. مؤرشف منالأصل في 2021-09-29.
^مسلم بن الحجاج؛ المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي.صحيح مسلم. بيروت: دار إحياء التراث العربي. ج. الجُزء الرابع. ص. 1907، الحديث: 2452. مؤرشف منالأصل في 2021-09-29.