أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ حَنْبَلِ الذهَلِيُّ الشَّيْبَانِيُّ (164هـ -241هـ /780 -855م) هو فقيه ومحدِّث مسلم، ورابعالأئمة الأربعة عندأهل السنة والجماعة، وصاحبالمذهب الحنبلي فيالفقه الإسلامي. اشتُهر بعلمه الغزير وحفظه القوي، وكان معروفاً بالأخلاق الحسنة كالصبر والتواضع والتسامح، وقد أثنى عليه كثير من العلماء منهمالإمام الشافعي بقوله: «خرجتُ منبغداد وما خلَّفتُ بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل». ويُعدُّ كتابه «المسند» من أشهر كتبالحديث وأوسعها.
وُلد أحمد بن حنبل سنة164هـ فيبغداد ونشأ فيها يتيماً، وقد كانت بغداد في ذلك العصر حاضرة العالم الإسلامي، تزخر بأنواع المعارف والفنون المختلفة، وكانت أسرة أحمد بن حنبل توجهه إلى طلب العلم، وفي سنة179هـ بدأ ابن حنبل يتَّجه إلى الحديث النبوي، فبدأ يطلبه في بغداد عند شيخههُشَيم بن بشير الواسطي حتى توفي سنة183هـ، فظل في بغداد يطلب الحديث حتى سنة186هـ، ثم بدأ برحلاته في طلب الحديث، فرحل إلىالعراقوالحجازوتهامةواليمن، وأخذ عن كثير من العلماء والمحدثين، وعندما بلغ أربعين عاماً في سنة204هـ جلس للتحديث والإفتاء في بغداد، وكان الناس يجتمعون على درسه حتى يبلغ عددهم قرابة خمسة آلاف.
اشتُهر ابن حنبل بصبره على المحنة التي وقعت به والتي عُرفت باسم «فتنة خلق القرآن»، وهي فتنة وقعت فيالعصر العباسي في عهد الخليفةالمأمون، ثمالمعتصموالواثق من بعده، إذ اعتقد هؤلاء الخلفاء أنالقرآن مخلوق محدَث، وهو رأيالمعتزلة، ولكن ابن حنبل وغيره من العلماء خالفوا ذلك، فحُبس ابن حنبل وعُذب، ثم أُخرج من السجن وعاد إلى التحديث والتدريس، وفي عهد الواثق مُنع من الاجتماع بالناس، فلما تولىالمتوكل الحكمَ أنهى تلك الفتنة إنهاءً كاملاً. وفي شهرربيع الأول سنة241هـ، مرض أحمد بن حنبل ثم مات، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة.
هو: «أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله[4] بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بنبكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بنربيعة بننزار بنمعد بنعدنان».[5][6] فهو من ولد شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وليس من ولد شيبان بن ثعلبة كما تصور بعض الروايات.[7] فإذا قيل الشيباني لم يفد المطلق من هذا إلا ولدشيبان بن ثعلبة، وإذا قيل الذهلي لم يفد مطلق هذا إلا ولدذهل بن ثعلبة فينبغي أن يقالأحمد بن حنبل الذهلي على الإطلاق لأنه من ولد ذهل بن ثعلبة.[8][9][10] وقد نسبه البخاري إليهما معا فقال: الشيباني الذهلي.[11]
أمه: «صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك بن سوادة بن هند الشيبانية»، كان جدها عبد الملك بن سوادة من وجوهبني شيبان، وكانت قبائل العرب تنزل عليه فيضيفهم.[12][13]
إن أحمد بن حنبل من أهل العراق،[14][15]عربي النسب، فهو ذهلي في نسبه لأبيه وشيباني في نسبه لأمه، وشيبان وذهل أخوان من بنيبكر بن وائل إحدى قبائلربيعةالعدنانية التي تلتقي معالنبي محمد فينزار بن معد بن عدنان، وقد وُصفت هذه القبيلة بأن فيها همة وإباء وحمية، وكان منهاالمثنى بن حارثة الشيباني قائد الجيوش الإسلامية الغازية لدولة الفرسبالعراق،[16] في عهدأبي بكر الصديق، كما اشتهرت بالهمة والصبر وحسن البلاء فيالجاهليةوالإسلام، حتى كانت أبرز القبائل الربعية وفخرها، ولقد قيل: «إذا كنت في ربيعة، فكاثر بشيبان وفاخر بشيبان وحارب بشيبان»، فشيبان في الجاهلية والإسلام أكثر القبائل الربعية عدداً، وأعزها نفراً، وأعظمها أثراً. وكانت منازلهمبالبصرة وباديتها، وقد كانت في الجاهلية قريبة المقام من العراق، فلما بنىعمر بن الخطاب البصرة مطلة على الصحراء لينزل بها العرب نزلوا بها فسكنوها وسكنوا في باديتها، وكانت أسرة أحمد بن حنبل وأسرة أمه تنزل بتلك المدينة وبيدائها.[17][18]
ولأن أصل أسرة أحمد بن حنبل منالبصرة فقد عُرف بأنه «البصري»، وُيروى أن أحمد بن حنبل كان إذا جاء البصرة صلى في مسجد مازن، وهم منبني شيبان، فقيل له في ذلك فقال: «إنه مسجد آبائي». ولكن مقام أسرة أحمد بن حنبل لم يستمر بالبصرة، بل إن جده حنبل بن هلال انتقل إلىخراسان، وكان والياً علىسرخس فيالعهد الأموي، ولما لاحت الدعوة العباسية في الأفق عاون دعاتها وانضم إلى صفوفهم حتى أوذي في هذا السبيل. أما أبو أحمد فهو محمد بن حنبل، وقد كان جندياً، وقيل إنه كان قائداً، فقد روي عنالأصمعي أنه قال: «أبو عبد الله أحمد بن حنبل من ذهل، وكان أبوه قائداً»، وذهل هو ذهل بن ثعلبة بن عكابة، وقالابن الجزري: «كان أبوه في زي الغزاة».[19][20][21]
ويظهر أن أسرته كانت بعد انتقالها إلىبغداد تعملللدولة العباسية، ولم ينقطع اتصالها بها وإن لم يكن منها ولاة، إذ يُروى أن عم أحمد بن حنبل كان يرسل إلى بعض الولاة بأحوالبغداد ليُعلمَ بها الخليفة إذا كان غائباً عنها، أما أحمد بن حنبل فقد كان يتورع عن المشاركة في ذلك منذ صباه، فقد رُوي أن الوالي داود بن بسطام قال: أبطأتْ علي أخبار بغداد، فوجهت إلى عم أبي عبد الله بن حنبل: «لم تصل إلينا الأخبار اليوم»، وكنت أريد أن أحررها وأوصلها إلى الخليفة، فقال لي: «قد بعثت بها مع أحمد ابن أخي»، قال: فبعث عمُّه، فأحضر أبا عبد الله وهو غلام، فقال: «أليس بعثتُ معك الأخبار»، قال: «نعم»، قال: «فلأي شيء لم توصلها؟»، قال: «أنا كنت أرفع تلك الأخبار! رميتُ بها في الماء»، فجعل ابن بسطام يسترجع ويقول: «هذا غلام يتورع، فكيف نحن؟».[22][23][24]
وُلد أحمد بن حنبل في شهرربيع الأول من سنة164 هـ، وهذا هو المشهور المعروف، وقد ذكر ذلك ابنه صالح وابنهعبد الله، قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: ولدت في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة»، ولم يختلف الرواة في زمن ولادته كما اختلفوا في زمن ولادة الإمامينأبي حنيفةومالك، وذلك لأنه قد ذكر هو تاريخ هذه الولادة وكان على علم به.[25][26]
أما موطن ميلاده فقد اختلف فيه المؤرخون، فقيل إنه وُلدبمرو فيخراسان، «تقع فيتركمانستان حاليا» حيث كان يعمل أبوه وجده من قبل، وقيل إنه وُلد ببغداد بعد أن جاءت أمه حاملاً به منمدينة مرو التي كان بها أبوه، وهذا الأخير هو القول الراجح عند جمهرة المؤرخين، فقد روي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سمعت أبي يقول: «قدمت بي أمي حاملاً من خراسان، وولدت سنة أربع وستين ومئة».[25][27][28]
منظر عاملمدينة بغداد، حيث ولد ابن حنبل ونشأ وترعرع
فقد ابن حنبل أباه وهو طفل صغير، فقد قال: «لم أرَ جدي ولا أبي»، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته، ولا بد أن ذلك كان وهو صغير لا يعي ولا يدرك شيئاً، بدليل أنه نفى رؤيته لأبيه وجده، وقد ذُكر أن أباه مات شاباً في الثلاثين من عمره، ولقد قامت أمه بتربيته في ظل مَن بقي من أسرة أبيه، وكان أبوه قد ترك لهببغداد عقاراً يسكنه، وآخر يغل له غلة قليلة تعطيه الكفاف من العيش، فاجتمع له بتلك الغلة الضئيلة أسباب الاستغناء عما في أيدي الناس.[29][30]
نشأ ابن حنبل فيبغداد وتربى بها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع المعارف والفنون، فيها القراء والمحدثونوالمتصوفة وعلماءاللغةوالفلاسفة والحكماء، فقد كانت حاضرةالعالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر في حواضر العالم من تنوع المسالك وتعدد السبل وتنازع المشارب ومختلف العلوم، وقد اختارت أسرة ابن حنبل له منذ صباه أن يكون عالماً بكل العلوم الممهدة له، من علمبالقرآنوالحديثواللغة ومآثرالصحابةوالتابعين وأحوالالنبي محمدوسيرته وسيرة أوليائه الأقربين، وقد اتفقت هذه التربية أو هذا التوجيه مع نزوعه النفسي، وما كانت تصبو إليه همته من غايات، فقد وجهته أسرته إلى القرآن الكريم منذ نشأته الأولى فحفظه، وظهرت عليه الألمعية مع الأمانة والتقى، حتى إذا أتم حفظ القرآن الكريم وعلم اللغة، اتجه إلى الديوان ليتمرن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: «كنت وأنا غُلَيم أختلف إلى الكتاب، ثم اختلفت إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة».[31][32]
وكان ابن حنبل وهو صبي محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء، وقد كان نُجبه واستقامته أثرين ملاحظين لكل أترابه وآبائهم، يتخذه الآباء قدوة لأبنائهم، حتى قال بعض الآباء: «إني أنفق على أولادي وأجيئهم بالمؤدبين لكي يتأدبوا فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظروا كيف يخرج!»، وجعل يعجب.[33][34]
لم يتزوج أحمد بن حنبل إلا بعد أن بلغ الأربعين، وقيل أن ذلك كان بسبب اشتغاله بالعلم، أو لأن أمه كانت موجودة بجواره ترعى شؤونه، أو لأنه كان يكثر من الرحلات وتطول غيبته عن بلده، فلما أن بلغ الأربعين وأصبح أقرب إلى الاستقرار من ذي قبل فكر في الزواج، وقد قالابن الجوزي في ذلك: «كان رضي الله عنه شديد الإقبال على العلم، سافر في طلبه السفر البعيد، ووفر على تحصيله الزمان الطويل، ولم يتشاغل بكسب ولا نكاح حتى بلغ منه ما أراد».[35] وكانت أولى زوجاته هي "العباسة بنت الفضل"، وهي فتاةعربية من ربضبغداد أي من ضواحيها القريبة، وقد عاشت مع أحمد بن حنبل ثلاثين سنة، وأنجبت منه ولدهما صالحاً، وقد قال "المروذي" تلميذ أحمد بن حنبل في شأن العباسة: «سمعت أبا عبد الله يقول: أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة فما اختلفتُ أنا وهي في كلمة»، ولما توفيت أم صالح تزوج أحمد زوجته الثانية "ريحانة"، وأنجبت منه ولداً واحداً هوعبد الله، فلما ماتت أم عبد الله اشترى جاريةً اسمها "حُسْن"، فأنجبت له "زينب" ثم توأمين هما "الحسن" و"الحسين"، فماتا بعد ولادتهما، ثم وَلدت "الحسن" و"محمداً"، ثم وَلدت بعد ذلك "سعيداً". وقد نبغ فيالفقه من أولاده صالحوعبد الله، وأما "سعيد" فقد ولي قضاءالكوفة فيما بعد.[36][37]
كان بين يدي أحمد بن حنبل علمان من علومالشريعة الإسلامية عليه أن يختار أحدهما، فهو إما أن يختارمسلك الفقهاء، وإما أن يختار أن يكون راوياً من رواةالحديث وحافظاً من حفاظه، فقد ابتدأت الطريقتان تتميزان في عصره، وابتدأ العلمان ينفصلان، ولقد كان في العراق المنزعان، فقد كان في بغدادفقه العراق، كما كان فيها المحدثون الحفاظ.[38]
اختار أحمد بن حنبل في صدر حياته رجالالحديث ومسلكهم، فاتجه إليهم أول اتجاهه، ويظهر أنه قبل أن يتجه إلى المحدثين راد طريقالفقهاء الذين جمعوا بين الرأي والحديث، فقد رُوي أن أول تلقيه كان على القاضيأبي يوسف صاحبأبي حنيفة، ولكنه مال بعد ذلك إلى المحدثين الذين انصرفوا بجملتهم للحديث، فقد قال: «أول من كتبت عنه الحديثأبو يوسف»، ولكنه لم يدم في الأخذ عنه، فقد انصرف إلى المحدثين انصرافاً لم يقطعه عن الاطلاع على ما أنتجته عقول الفقهاءالعراقيين من فتاوى وأقضية وتخريج، بل إنه قد اطلع عليها، ولكن همته لم تكن إليها.[39][40]
طلب أحمد بن حنبل الحديث في فجر شبابه، وكان المحدثون في كل بقاعالأراضي الإسلامية، وكان لا بد للإمام أحمد أن يأخذ عن كل علماء الحديث فيالعراقوالشاموالحجازوتهامة، ولعله أول محدث قد جمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإنمسنده لشاهد على ذلك، فهو قد جمع الحديث الحجازي والشامي والبصري والكوفي جمعاً متناسباً. وقد بدأ اتجاه ابن حنبل إلى الحديث من سنة179هـ، واستمر مقيماًببغداد يأخذ من شيوخ الحديث فيها ويكتب كل ما يسمع حتى سنة186هـ، أي أنه استمر بطلب حديث البغداديين نحو سبع سنين أو أكثر، ثم ابتدأ في هذه السنة رحلته إلىالبصرة، وفي العام التالي رحل إلىالحجاز، ثم توالت رحلاته بعد ذلك إلى البصرة والحجازواليمنوتهامة وغيرها في طلب الحديث.[41][42]
لازم أحمد بن حنبل منذ أن بلغ السادسة عشرة من عمره سنة179هـ إماماً من أئمة الحديث، وهوهُشَيم بن بشير بن أبي حازم الواسطي (المتوفى سنة183هـ)، واستمر يلازمه نحو أربع سنوات، فلم يتركه حتى بلغ العشرين من عمره، وقد رُوي عن ابن حنبل خبرُ تلك الملازمة ومدتها، فقد قال: «كتبت عنهشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه إلى سنة ثمانين، وإحدى وثمانين، واثنتين وثمانين، وثلاث، ومات في سنة ثلاث وثمانين، كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء وكتباً صغاراً»، فسأله ابنه صالح بعد ذلك القول: «يكون ثلاثة آلاف؟»، قال: «أكثر».[43][44]
ولم تكن تلك الملازمة تامة، أي أنه لم ينقطع له انقطاعاً تاماً ولم يتصل بغيره مدة أربع سنوات، بل كان يتلقى عن غيره أحياناً، ويحضر بعض مجالس سواه، إذ يُروى أنه سمع من عمير بن عبد الله بن خالد سنة182هـ قبل موت هشيم، كما سمع في هذه الأثناء منعبد الرحمن بن مهدي، فقد رُوي أنه قال: «قدم عليناعبد الرحمن بن مهدي سنة ثمانين وقد خضب، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكنت أراه في المسجد الجامع»، كما كان يستمع إلى أبي بكر بن عباس ويروي عنه. وبعد موت الشيخ هشيم بن بشير، أخذ أحمد بن حنبل يتلقى الحديث حيثما وجده، ومكث ببغداد نحو ثلاث سنوات يأخذ من شيوخها بجد ودأب، ومن غير أن يخص أحداً بفضل ملازمة دون غيره كما كان شأنه مع شيخه هشيم، إذ كان قد بلغ العشرين عاماً أو قاربها عند موت هشيم، فسار في طلب الحديث في دأب وجد وعزم، وأمه تشجعه وترشده وتدعوه إلى الرفق بنفسه إن وجدت منه إرهاقاً لنفسه، وقد قال هو في ذلك: «كنت ربما أردت البكور في الحديث، فتأخذ أمي بثيابي حتىيؤذِّن الناس أو حتى يصبحوا».[45][46][47]
بدأ أحمد بن حنبل رحلاته سنة186هـ ليتلقىالحديث عن الرجال، فرحل إلىالعراق وإلىالحجاز وإلىتهامة وإلىاليمن، وكان يود أن يرحل إلىالري ليستمع إلىجرير بن عبد الحميد، ولم يكن قد رآه قبل في بغداد، ولكن أقعده عن الرحلة إليه عظيمُ النفقة عليه في هذا السبيل. وتوالت رحلاته ليتلقى عن رجال الحديث شفاهاً، ويكتب عن أفواههم ما يقولون، فرحل إلى البصرة خمس مرات، كان يقيم فيها أحياناً ستة أشهر يتلقى عن بعض الشيوخ، وأحياناً دون ذلك وأحياناً أكثر، على حسب مقدار تلقيه من الشيخ الذي رحل إليه.[48]
رحل إلىالحجازوتهامة خمس مرات، أولاها سنة187هـ، والتقى في هذه الرحلةبالإمام الشافعي فيمكة المكرمة، وأخذ مع حديث أبي عيينة الذي كان مقصده إليه فقهَ الشافعي وأصوله وبيانه لناسخ القرآن ومنسوخه، وكان لقاؤه بالشافعي بعد ذلك فيبغداد عندما جاء الشافعي إليها ومعه فقهه وأصوله محررة مقررة، وكان ابن حنبل قد نضج، حتى كان الشافعي يعول عليه في معرفة صحة الأحاديث أحياناً ويقول له: «إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به، أذهب إليه حجازياً أو شامياً أو عراقياً أو يمنياً». وقد ذكرابن كثير تفصيل رحلات حجه فقال: «أول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومئة، ثم سنة إحدى وتسعين، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثمحج سنة ثمان وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين»، كما قال ابن حنبل: «حججت خمس حجج، منها ثلاث راجلاً، وأنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً، وقد ضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماشٍ، فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني على الطريق، حتى وقفت على الطريق».[49]
كما رحل أحمد بن حنبل إلىالكوفة، ولقي المشقة في هذه الرحلة مع قربها منبغداد، لأن مقامه فيالكوفة لم يكن ليناً رقيقاً، فقد رُوي عنه أنه قال: «خرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لَبِنة فحممت، فرجعت إلى أمي ولم أكن استأذنتها»، وقال: «لو كان عندي تسعون درهماً كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلىالري، وخرج بعض أصحابنا، ولم يمكنِّي الخروج لأنه لم يكن عندي شيء».[50][51]
وكان أحمد بن حنبل قد رسم لنفسه أن يذهب إلىالحج سنة198هـ، وبعد الحج والمجاورة يذهب إلىعبد الرزاق بن همامبصنعاءاليمن، وقد كاشف بهذه النية رفيقه وصاحبهيحيى بن معين، وقد توافقت رغبتهما في ذلك، فدخلامكة، وبينما هما يطوفان طواف القدوم إذا عبد الرزاق يطوف، فرآه ابن معين وكان يعرفه، فسلم عليه وقال له: «هذا أحمد بن حنبل أخوك»، فقال: «حيَّاه الله وثبَّته، فإنه يبلغني عنه كلُّ جميل»، قال: «نجيء إليك غداً إن شاء الله حتى نسمع ونكتب»، فلما انصرف قال أحمد معترضاً: «لِمَ أخذت على الشيخ موعداً؟»، قال: «لنسمع منه، قد أربحك الله مسيرة شهر ورجوع شهر والنفقة»، فقال أحمد: «ما كان الله يراني وقد نويت نية أن أفسدها بما تقول، نمضي فنسمع منه»، ثم مضى بعد الحج حتى سمع منه بصنعاء.[50]
سافر ابن حنبل إلىصنعاء، وناله العيش الخشن والمركب الصعب، إذ انقطعت به النفقة في الطريق، فأكرى نفسه من بعض الحمالين إلى أن وافىصنعاء، ولما وصل إلى صنعاء حاول الشيخعبد الرزاق أن يعينه، فقال له: «يا أبا عبد الله، خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا مكسب»، ومد إليه بدنانير، فقال أحمد: «أنا بخير»، ومكث على هذه المشقة سنتين استهان بهما لأنه سمع أحاديث ما كان يعلمها من قبل.[52]
استمر أحمد على الرحلة في طلب العلم حتى بعد أن اكتملت رجولته ونضج علمه، وقد استمر جِده في طلب الحديث وروايته حتى بعد أن بلغ مبلغ الإمامة، فقد رآه رجل من معاصريه والمحبرة في يده يكتب ويستمع، فقال له: «يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين»، فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة»، وكان يقول: «أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر».[53][54][55][56][57]
قالشمس الدين السفاريني الحنبلي في كتابه (غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب):
«ذكر في حياةالحيوان عن سيدنا الإمام أحمدرضي الله عنه: أنه بلغه أن رجلا من وراء النهر معه أحاديث ثلاثية فرحل الإمام أحمد رضي الله عنه إليه فوجد شيخا يطعمكلبا فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم اشتغل الشيخ بإطعام الكلب، فوجد الإمام أحمد في نفسه إذ أقبل الشيخ على الكلب ولم يقبل عليه، فلما فرغ الشيخ من طعمة الكلب التفت إلى الإمام أحمد، وقال له كأنك وجدت في نفسك إذ أقبلت على الكلب ولم أقبل عليك؟ قال نعم. قال: حدثني أبو الزناد عن الأعرج عنأبي هريرة رضي الله عنه أن النبيﷺ قال: {من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله منه رجاءهيوم القيامة فلم يلجالجنة}، وأرضنا هذه ليست بأرض كلاب، وقد قصدني هذا الكلب فخفت أن أقطع رجاءه فقال الإمام هذا الحديث يكفيني، ثم رجع.[58]»
بعد أن طلب أحمد بن حنبلالحديث من رجاله واستمع إليهم وكتب عنهم ما استمع، وطوَّف فيالأقاليم الإسلامية يطلب الحديث، جلس للتحديث والفتيا، ويُروى إنه لم ينصب نفسه للتحديث والفتوى إلا بعد أن بلغ الأربعين، فقد قالابن الجوزي: «إلا أن الإمام أحمد رضي الله عنه لم يتصدر للحديث والفتوى، ولم يُنصب نفسه لهما حتى تم له أربعون سنة»، ورُوي أن بعض معاصريه جاء يطلب إليه الحديث سنة203هـ (أي كان عمره 39 عاماً) فأبى أن يحدثه، فذهب إلىعبد الرزاق بن همامباليمن ثم عاد إلىبغداد سنة204هـ فوجد أحمد بن حنبل قد حدث واستوى الناس عليه.[59][60][61]
يظهر أن أحمد بن حنبل لم يجلس للدرس والإفتاء إلا بعد أن قصده الناس للسؤال عن الحديثوالفقه، فاضطر لأن يجلس لإجابتهم فيالمسجد، وكانت حياته بعد ذلك تنمِّي هذه الشهرة وتقوِّيها، فلقد عاين الناسُ فضله، ووجدوا تعففه عما عند الولاة والأمراء، ومراعاته لحرمة المسلمين، ثم نزلت المحنة التي صهرت نفسه، وبينت مقدار جَلَده وصبره، وتوالت النوازل، فزاده ذلك علواً ورفعة، وزادت مكانته عند الناس. وإذا كان ابن حنبل قد ذاع ذكره في الآفاق الإسلامية قبل أن يجلس للدرس والإفتاء، فلا بد أن يكون الازدحام على درسه شديداً، ولقد ذكر بعض الروة أن عدة من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف، وأنه كان يكتب منهم نحو خمسمئة، ويدل ذلك على عِظم مكانة أحمد بن حنبل عند البغداديين، وإن كثرة هؤلاء الذين كانوا يحضرون درسه في المسجد كانت سبباً في كثرة رواة فقهه وحديثه، ولم يكن كل الذين يحضرون الدرس راغبين في علم ابن حنبل، بل منهم من كان يتيمن به ويريد أن يتعظ به وينظر إلى هديه وخلقه وأدبه، فقد رُوي عن بعض معاصريه أنه قال: «اختلفت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل اثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده، فما كتبت منه حديثاً واحداً، وإنما كنت أميل إلى هديه وأخلاقه وآدابه».[62][63]
كان للإمام أحمد مجلسان للدرس والتحديث: أحدهما في منزله يُحدِّث فيه خاصةَ تلاميذه وأولاده، والثاني فيالمسجد يَحضر إليه العامة والتلاميذ، وقد كان وقت درسه في المسجد بعد العصر، أي قبل عتمة الليل وبعد وهج النهار، وقد كان يسود مجلسَهالوقارُ والسكينةُ مع تواضع واطمئنان نفسي، وكان في كل مجالسه لا يمزح ولا يلهو، وكان مخالطوه لا يمزحون في حضرته، بل إن شيوخه كانوا لا يمزحون في حضرته، فقد رُوي عنخلف بن سالم أنه قال: كنا في مجلسيزيد بن هارون، فمزح يزيد مع مستمعيه، فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب بيده على جبينه وقال: «ألا أعلمتموني أن أحمد هنا حتى لا أمزح؟»، وقد تجنب ابن حنبل المزاح لأنه كان يرى أن روايةالسُّنة عبادة، ولا مزاح في وقت العبادة.[64][65]
كان أحمد بن حنبل لا يُلقي درسه من غير طلب، بل يسأل عن الأحاديث المروية في موضوع فيستحضر الكتب التي دوَّن فيها تلك الأحاديث، كما كان إذا قال حديثاً نبوياً لا يقوله إلا من كتاب حرصاً على جودة النقل، وإبعاداً لمظنة الخطأ ما أمكن، وفي الأحوال النادرة جداً كان يقول الحديث من غير رجوع إلى كتاب، فقد قال ولده عبد الله: «ما رأيت أبي حدث من حفظه من غير كتاب إلا بأقل من مئة حديث». وقد وصفالمروذي صاحب أحمد بن حنبل مجلسه فقال:
لم أرَ الفقيرَ في مجلس أعزَّ منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلاً إليهم، مقصِّراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حِلم، ولم يكن بالعجول بل كان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس مجلسه بعد العصر لا يتكلم حتى يسأل.[66]
كانت دروس أحمد بن حنبل من حيث موضوعها على قسمين: أحدهما روايةالحديث ونقله، وهذه يمليها على تلاميذه من كتاب ولا يعتمد على حفظه إلا نادراً، وثانيهمافتاويه الفقهية التي كان يضطر إلى استنباطها، وهذه لا يسمح لتلاميذه أن يدونوها، ولا يسمح لهم أن ينقلوها عنه، إذ إنه ما كان يستجيز التدوين إلا للأحاديث النبوية، وكان أبغض الأشياء إليه أن يرى كتاباً قد دونت فيه فتوى له، فقد بلغه أن بعض تلاميذه روى عنه مسائل ونشرهاخراسان، فقال: «اشهدوا أني رجعت عن ذلك كله»، وجاء إليه رجل خراساني يكتب، فنظر في كتاب من بينها فوقع نظره فوجد كلامه، فغضب ورمى الكتاب من يديه. ولم يكن ذلك بالنسبة لآرائه هو فقط، بل بالنسبة لفقه غيره، فقد كان يَكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريغ والرأي، ويحب التمسك بالأثر، وقد رُوي عنه أنه قال لعثمان بن سعيد: «لا تنظر في كتب أبي عُبيد ولا فيما وضع إسحاق ولاسفيان ولاالشافعي ولامالك، وعليك بالأصل».[67][68]
أولاً: النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولذلك قدم النص على فتاوى الصحابة.[بحاجة لمصدر]
ثانياً: ما أفتى بهالصحابة[69] ولا يُعلم مخالف فيه، فإذا وجد لبعضهم فتوى ولم يعرف مخالفاً لها لم يتركها إلى غيرها، ولم يقل إن في ذلك إجماعاً بل يقول من ورعه في التعبير: «لا أعلم شيئاً يدفعه».
ثالثاً: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلىالكتابوالسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف ولم يجزم بقول، قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: قيل لأبي عبد الله: «يكون الرجل في قومه فيُسأل عن الشيء فيه اختلاف»، قال: «يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه».
رابعاً: الأخذبالحديث المرسلوالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه. قالابن قدامة: مراسيل أصحاب النبيﷺ مقبولة عند الجمهور[70]
خامساً:القياس، فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، ذهب إلى القياس، فاستعمله للضرورة كما قال ابن القيم، وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قال: «سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يُصار إليه عند الضرورة».[71][72] وقول أحمد بالقياس واعتباره حجة في الأحكام الشرعية يتمشى مع منهجه السلفي، واتباع الصحابة رضوان الله عليهم على وجه الخصوص، فقد استعملوا القياس.[73]
سبب المحنة التي وقعت بأحمد بن حنبل هو أنالخليفة المأمون دعا الفقهاء والمحدثين أن يقولوا مقالته فيخلق القرآن، فيقولوا إن القرآن مخلوق محدَث، كما يقول أصحابه منالمعتزلة الذين اختار منهم وزراءه وصفوته، ولكن أحمد بن حنبل لم يوافق المأمون في رأيه، ولم ينطق بمثل مقالته بل كان يقول إن القرآن كلام الله، وقد أدى ذلك إلى نزول الأذى الشديد به، والذي ابتدأ في عصر المأمون ثم توالى في عصر المعتصم والواثق بوصية من المأمون واتباعاً لمسلكه.[74][75] واستمر حبسه ثمانية وعشرين شهراً.[76]
لما تولىالمأمون الخلافة أحاط بهالمعتزلة، وكان جل حاشيته من رجالهم، وأدناهم إليه وقرَّبهم نحوه وأكرمهم أبلغ الإكرام، والسبب في ذلك الميل أنه كان تلميذاًلأبي الهذيل العلاف في الأديان والمقالات، وأبو الهذيل من رؤوس المعتزلة. ولما عقد المأمون المجالس للمناظرات والمناقشات في المقالات والنحل كان المعتزلة هم السابقين والبارزين على الخصوم، لِما اختصوا به من دراسات عقلية واسعة، فكان لهم أثر كبير في نفس المأمون، يجتبي منهم من يشاء لصحبته، ويختار منهم من يريد لوزارته، وخص منهمأحمد بن أبي دؤاد بالرعاية والعطف والتقريب، حتى إنه أوصى أخاه المعتصم بإشراكه معه في أمره، فقد قال في وصيته: «وأبو عبد الله بن أبي دؤاد، فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك فإنه موضع لذلك منك».[77]
ولما أحسالمعتزلة بهذه المنزلة، زينوا له إعلان قوله فيخلق القرآن نشراً لمذهبهم وليكتسبوا إجلال العامة واحترامهم، فأعلن ذلك سنة212هـ، وناظر من يغشى مجلس مناظرته في هذا الشأن، وأدلى فيها بحججه وأدلته، وترك الناس أحراراً في عقائدهم، لا يُحملون على فكرة لا يرونها، ولا عقيدة لا يستسيغون الخوض في شأنها. ولكن في سنة218هـ، وهي السنة التي توفي فيها، بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق فكرة خلق القرآن، فأراد أن يحملهم على ذلك قهراً، فابتدأ ذلك بإرسال كتبه وهوبالرقة إلى نائبه في بغدادإسحاق بن إبراهيم يأمره بامتحان الفقهاء والمحدثين، ليحملهم على أن يقولوا إن القرآن مخلوق، فقد جاء في أول كتاب أرسله إلى نائبه في بغداد:[78]
«فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عما يعتقدون في خلق القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيمن قلده واستحفظه من رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع عن توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك، ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدين، والإخلاص للتوحيد.»
وقعت فتنة خلق القرآن في العصر العباسي، وأدَّت إلى إيذاء كثير من العلماء أشهرهم أحمد بن حنبل
فأحضر إسحاق بن إبراهيم القضاة والمحدثين وكل من تصدى للفتوى والتعليم والإرشاد، فاختبرهم وامتحنهم، وأرسل إجاباتهم عن مسألته فيخلق القرآن إلىالمأمون، فأرسل المأمون كتاباً يبين سخف هذه الإجابات في نظره، ويجرح المجيبين، ثم ذكر في هذا الكتاب عقوبات لمن لم يقل مقالته، إذ أمر بحمل من لم يقل ذلك إليه موثقاً. وقد سارع إسحاق بن إبراهيم إلى تنفيذ رغبته، فأحضر المحدثين والفقهاء والمفتين، وفيهم أحمد بن حنبل، وأنذرهم بالعقوبة الصارمة والعذاب العتيد إن لم يقروا بما طلب منهم، ويحكموا بالحكم الذي ارتآه المأمون من غير تردد أو مراجعة، فنطقوا جميعاً بما طلب منهم وأعلنوا اعتناق ذلك المذهب إلا أربعة منهم أصروا على موقفهم إصراراً جريئاً، وهم: أحمد بن حنبل،ومحمد بن نوح،والقواريري، وسجادة، فشُدوا في الوثاق، وكبلوا بالحديد، وباتوا ليلتهم مصفدين في الأغلال، فلما كان الغد أجاب سجادة إسحاق فيما يدعو إليه، فخلوا عنه وفكوا قيوده، واستمر الباقون على حالهم، وفي اليوم التالي، أعيد السؤال عليهم، وطلب الجواب إليهم، فخارت نفس القواريري وأجابهم إلى ما طلبوا ففكوا قيوده، وبقي اثنان، فسيقا في الحديد ليلتقيا بالمأمون فيطرسوس، وقد توفيمحمد بن نوح في الطريق. وأما الذين أجابوا فقد طلب منهم أن يواجهوا المأمون أحراراً، فقدموا كفلاء بأنفسهم ليوافوه بطرسوس.[79][80]
وبينما هم في الطريق توفيالمأمون، ولكنه لم يودِّع الدنيا من غير أن يوصي أخاهالمعتصم بالإستمساك بمذهبه في القرآن، ودعوة الناس إليه بقوة السلطان، وبسبب هذه الوصية فإن المحنة لم تنقطع بوفاة المأمون، بل اتسع نطاقها وزادت ويلاتها، وكانت شراً مستطيراً على المتوقفين من الزهاد والعلماء والفقهاء والمحدثين، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، فقد بلغ البلاء أشده والمحنة أقصاها في عهد المعتصم، ثم في عهدالواثق.[81][82]
لم يكنالمعتصم رجل علم بل كان رجل سيف، فترك أمر خلق القرآنلأحمد بن أبي دؤاد يدبر الأمر فيه، لينفذ وصية المأمون في ذلك،وأحمد بن أبي دؤاد هذا هو صاحب الفكرة في حمل الناس على ذلك القول بقوة السلطان وعنف الامتحان، وإنزال البلاء والسجن والتقييد ووضع الاغلال.[83]
تبين أنالمأمون قد مات عندما كان أحمد بن حنبل مقيداً مسوقاً، فأعيد إلى السجنببغداد حتى يصدر في شأنه أمر، ثم سيق إلىالمعتصم، واتُّخذت معه ذرائع الإغراء والإرهاب، فما أجدى في حمله ترغيب ولا ترهيب، فنفذوا الوعيد، فأخذوا يضربونه بالسياط المرة بعد الأخرى، ولم يُترك في كل مرة حتى يغمى عليه، وينخس بالسيف فلا يحس، وتكرر ذلك مع حبسه نحواً من ثمانية وعشرين شهراً، فلما استيئسوا منه وثارت في نفوسهم بعض نوازع الرحمة أطلقوا سراحه وأعادوه إلى بيته وقد أثخنته الجراح، وأثقله الضرب المبرح المتوالي والإلقاء في غيابات السجن. وبعد أن عاد أحمد بن حنبل إلى بيته استقر فيه، وكان لا يقوى على السير، واستمر منقطعاً عن الدرس والتحديث ريثما التأمت جراحه، واستطاع أن يخرج إلىالمسجد، فلما رُدت إليه العافية وذهبت وعثاء هذه المحنة عن جسمه، وإن كانت قد تركت آثاراً وندوباً فيه وأوجاعاً في بعض أجزائه، مكث يُحدِّث ويُدرس بالمسجد حتى ماتالمعتصم.[84][85]
لما تولىالواثق الحكم أعاد المحنة على أحمد بن حنبل، ولكنه لم يتناول السوط ويضربه كما فعلالمعتصم، إذ رأى أن ذلك زاده منزلة عند الناس، وزاد فكرته ذيوعاً، ومنع دعوة الخليفة أن تَذيع وتفشو، فوق ما ترتب على ذلك من سخط العامة ونقمة مَن سماهم ابنُ أبي دؤاد «حشو الأمة»، ولذلك لم يُرِد أحمد بن أبي دؤاد والواثق من بعد المعتصم أن يعيد الأذى الجسمي، بل منعه فقط من الاجتماع بالناس، وقال الواثق له: «لا تجمعن إليك أحداً ولا تساكني في بلد أنا فيه»، فأقام ابن حنبل مختفياً لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها، حتى مات الواثق، وبذلك يكون أحمد بن حنبل قد انقطع عن الدراسة مدة تزيد عن خمس سنوات إلى سنة232هـ، وبعدها عاد إلى الدرس والتحديث مكرماً عزيزاً ترفعه عزة التقى وجلال السن والقناعة والزهادة وحسن البلاء.
ينبغي الذكر أن المحنة لم تكن مقصورة على أحمد بن حنبل وإن كان قد سبق غيره إلى الصبر، بل تجاوزته إلى غيره، وكان الفقهاء يساقون من الأمصار إلىبغداد ليُختبروا في هذه المسألة، وممن نزل به من ذلك:يوسف بن يحيى البويطي الفقيه المصري صاحبالإمام الشافعي، فقد حُمل مقيَّداً مغلولاً حتى مات في أصفاده، ومنهمنعيم بن حماد، فقد مات في سجنالواثق مقيداً لذلك، وقد رُوي أن الواثق رجع في آخر حياته عن إنزال المحنة بمن لا يرى هذا الرأي، وذلك بسبب مناظرة جرت بين يديه رأى بها أن الأَولى تركُ امتحان الناس فيما يعتقدون.[86][87]
ولي الخليفةالمتوكل بعد الواثق سنة232هـ، فقام بإنهاء تلك المحنة التي وقعتبأهل السنة القائلين بأن القرآن غير مخلوق، حتى قال فيه إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة: «الخلفاء ثلاثة:أبو بكر الصديق قاتلَ أهل الردة حتى استجابوا له،وعمر بن عبد العزيز ردَّ مظالم بني أمية،والمتوكل محا البدع وأظهر السنة»، وقالابن الجوزي: «أطفأ المتوكل نيران البدعة، وأوقد مصابيح السنة».[88]
ثم بعثالمتوكل بعد مضي خمس سنين من ولايته بتسيير أحمد بن حنبل إليه، فلما خرج أحمد بن حنبل إلى المتوكل رُدَّ من بعض الطريق، ثم توفي إسحاق بن إبراهيم وولي مكانه ابنه عبد الله بن إسحاق، فنَقل بعض أعداء ابن حنبل إلى المتوكل أن أحمد بن حنبل كان يُخفي بعض أحفادعلي بن أبي طالب عنده، فكتب المتوكل إلى عبد الله بن إسحاق: «أن وجِّه إلى أحمد بن حنبل أن عندك طلبةأمير المؤمنين (يعني المتآمرين على إسقاطه)»، فحُلِّف أحمد بن حنبل أن ما عنده أحد من أولئك، وفُتش منزله ومنزل ابنه صالح فلم يجدوا فيها أحداً، فثبتت بذلك براءة أحمد بن حنبل، ثم أرسل إليه المتوكل يُخيِّره بما يفعل بالمحرضين عليه، قال الإمام أحمد: قد جاءني أبو علي يحيى بن خاقان فقال لي: «إن كتاباً جاءه فيه: إن أمير المؤمنين يُقرئك السلام ويقول لك: لو سَلِم أحد من الناس سَلمتَ أنت، ها هنا رجل قد رفع عليك وهو في أيدينا محبوس، رفع عليك أن علوياً قد توجَّه من قِبلخراسان، وقد بعثت برجل من أصحابك يتلقاه وهو ذا محبوس، فإن شئتَ ضربتُه، وإن شئتَ حبستُه، وإن شئتَ بعثتُ به إليك»، قال: «فقلت له: ما أعرف مما قال شيئاً، أرى أن تطلقوه ولا تعرضوا له»، فقيل للإمام أحمد: «سفك الله دمه، قد أشاط بدمائكم»، فقال: «ما أراد إلا استئصالنا ولكن قلت: لعل له والدة أو أخوات أو بنات، أرى أن تخلوا سبيله ولا تعرضوا له».[89]
ثم بعثعلي بن الجهم كتاباً لأحمد بن حنبل يأمره بالخروج إلى يعقوب أحد حجابالمتوكل ليتلقى جائزة من المتوكل، ونصحه بأخذ الجائزة حتى يُبعد الشبهة عن نفسه، فذهب ابن حنبل إلى يعقوب، فقال يعقوب: «يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد صحَّ عندنا نقاء ساحتك، وقد أحببت أن آنس بقربك، وأن أتبرك بدعائك، وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك»، وأخرج بدرة فيها صرة فلم ينظر ابن حنبل إليها، فشدّها يعقوب وبعثها إليه، فوزعها ابن حنبل على أبناءالمهاجرينوالأنصار وغيرهم حتى لم يبق منها شيء، وكتب صاحب البريد أنه قد تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدق بالكيس.[90]
عاش أحمد بن حنبل فقيراً مكدوداً محدوداً، ولم يعش مجدوداً ذا مال وفير، وكان يؤثر الخصاصة على أن يكون ذا مال لا يعرف أنه حلال خالص، أو يكون فيه منة العطاء، وكثيراً ما كانت تضطره حاله أن يعمل بيديه ليكسب، أو أن يؤجر نفسه في عمل يعمله إذا انقطع به الطريق ولم يكن معه مال، وكان يؤثر ذلك على أن يقبل العطاء. وقد كان الإمام أحمد يعيش من غلة عقار قد تركه له أبوه، ويظهر أنه كانت له دكاكين يؤجرها، وإن كانت لا تجعله في بحبوحة من العيش فإنها تسد خلته وتدفع حاجته، والأخبار متضاربة على أنها لم تكن كبيرة بل كانت ضئيلة، وقد ذكرابن كثير مقدارها فقال: «وكانت غلته من ملك له في كل شهر سبعة عشر درهماً، ينفقها على عياله، ويتقنع بذلك رحمة الله صابراً محتسباً». ويُروى أن رجلاً سأل الإمام أحمد عن العقار الذي كان يستغله ويسكن داراً منه كيف سبيله عنه، فقال له: «هذا شيء قد ورثته عن أبي، فإن جاءني رجل فصحح أنه له خرجت عنه ودفعته إليه».[91]
وكان الإمام أحمد لا يرضى أن يأخذ من أحد عطاءً، ولا أن يقبل منه معونةً، ولقد كانت تشتد به الحال أحياناً، إذ لا تكفي تلك الغلة لنفقات عياله، وتنزل به العسرة فكان يتحملها صابراً، وكانت تلك العسرة تشتد وتعلو عن الاحتمال إذا كان في سفر وانقطع منه الزاد، فكان لا يهن ولا يضعف، ويتعب جسمه أيضاً في سبيل راحة نفسه.[92] وقد كان ابن حنبل مع هذه القلة من المال من أسخى الناس بما في يده وما يستطيع، وكان حريصاً متشدداً في أن يكون ماله حلالاً طيباً، وكان عندالزكاة يبالغ في الإيجاب على نفسه فيختار أشد الأقوال، حتى كان يدفع زكاة عن عقاره الذي يغل والذي يسكنه، مستأنساً بفتوىلعمر بن الخطاب عندما فتحسواد العراق.[93]
كان أحمد بن حنبل يتعفف عن مال الخلفاء، بل كان يبعده عن نفسه إلى درجة النفور منه، فعندما جاءالإمام الشافعي إلىبغداد في المرة الثانية التي أقام فيها ونشر مذهبه بها، كان ابن حنبل قد التزم مجلسه، وما كان يفارقه إلا لطلب حديث في السفر أو الحضر، ولاحظ الشافعي أن أحمد كان يرحل إلى اليمن لطلب حديثعبد الرزاق بن همام، وكان يلاحظ بعد الشقة وعظم المشقة التي يعانيها الإمام أحمد في هذه الرحلة بسبب قلة المال، وكان الخليفةُ الأمين قد كلَّف الإمام الشافعي أن يختار قاضياً لليمن، فوجد أن من التسهيل على الإمام أحمد أن يكون هو قاضي اليمن، ليَسهُل عليه السماع من عبد الرزاق من غير مشقة، فعرض على أحمد فرفض، فكرر العرض، فقال أحمد للشافعي، وهو شيخه وله منه التجلة والاحترام: «يا أبا عبد الله، إن سمعتُ منك هذا ثانياً لم ترني عندك».[94][95] ويُروى أيضاً أن المأمون دفع إلى شيخ من شيوخ الحديث في عصره مالاً ليقسمه على أصحاب الحديث لأن فيهم ضعفاء أراد أن يعينهم على ما خصصوا أنفسهم له، فما بقي منهم أحد إلا أخذ ما عدا أحمد بن حنبل.[96][97] وكان أحمد بن حنبل يرد عطاء الخليفة ولو كان قد أرسله ليوزعه على أهل الحاجة والمعوزين، فقد رُوي أن الخليفةالمتوكل وجه إليه ألف دينار ليوزعها على أهل الحاجة فقال: «أنا في البيت منقطع عن الناس، وقد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره، وهذا ما أكره».[98][99]
«لما كان في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء، فدخلتُ عليه يوم الأربعاء وهو محموم يتنفس تنفساً شديداً، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرِّضُه إذا اعتل، فقلت له: «يا أبة، علام أفطرت البارحة؟»، قال: «على ماء باقلَّاء»، ثم أراد القيام فقال: «خذ بيدي»، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكأ علي، وكان يختلف إليه غيرُ متطبب كلهم مسلمون، فوصف له متطبب يُقال له عبد الرحمن قَرعةً تُشوى ويُسقى ماءها، وهذا يوم الثلاثاء، وتوفي يوم الجمعة، فقال: «ياصالح»، قلت: «لبيك»، قال: «لا تُشوى في منزلك ولا منزل عبد الله أخيك». وصار الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده فحجبته، وأتى ابن علي بن الجعد فحجبته، وكثُر الناس، فقلت: «يا أبةِ قد كثر الناس»، قال: «فأي شيء ترى؟»، قلت: «تأذن لهم فيدعون لك»، قال: «أستخير الله»، فجعلوا يدخلون عليه أفواجاً حتى تمتلئ الدار، فيسألونه ويدعون له ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس وامتلأ الشارع وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب فدخل عليه فقال: «إني لأرى الرجلَ يُحيي شيئاً من السنة فأفرح به»، فدخل فجعل يدعو له، فجعل يقول: «له ولجميع المسلمين»، وجاء رجل فقال: «تلطَّفْ لي بالإذن عليه، فإني قد حضرت ضربه يوم الدار وأريد أن أستحله»، فقلت له: «فأمسك»، فلم أزل به حتى قال: «أدخله»، فأدخلته، فقام بين يديه وجعل يبكي وقال: «يا أبا عبد الله، أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار، وقد أتيتك، فإن أحببتَ القِصاص فأنا بين يديك، وإن رأيتَ أن تُحلَّني فعلت»، فقال: «على أن لا تعود لمثل ذلك»، قال: «نعم»، قال: «قد جعلتك في حل»، فخرج يبكي، وبكى من حضر من الناس، وكان له في خُريقة قُطيعات، فإذا أراد الشيء أعطينا من يشتري له، فقال لي يوم الثلاثاء وأنا عنده: «انظر في خريقتي شيء؟»، فنظرت فإذا فيها درهم، فقال: «وجِّه فاقتَضِ بعض السكان»، فوجهت فأعطيت شيئاً، فقال: «وجِّه فاشتر تمراً وكفِّر عني كفارة يمين»، فوجهت فاشتريت وكفرت عنه كفارة يمين، وبقي ثلاثة دراهم أو نحو ذلك، فأخبرته فقال: «الحمد لله»، وقال: «اقرأ علي الوصية»، فقرأتها عليه فأقرَّها.[100]»
أما وصيته التي كتبها، فقد جاء فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصي أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وأوصي لعبد الله بن محمد المعروف بفوران علي نحو من خمسين ديناراً، وهو مصدَّق فيما قال، فيُقضى ما له علي من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استُوفي أُعطي ولدُ صالح كل ذكر وأنثى عشرة دراهم.[101]»
كان أحمد بن حنبل ورعاً زاهداً، فقد كان كثير التعبد في محراب العلم ومحراب الصلاة، دائم الصوم حتى في أيام المحنة، إذ كان يُجلد بالسياط وهو صائم تطوعاً تبتلاً، وكانت صلاته في اليوم ثلاثمئة ركعة، فلما أوذي في المحنة ونزل به من الضرب والجلد ما نزل وبقيت آثار الجلد تؤلمه إلى أن مات، لم يستطع أن يحافظ على الركعات الثلاثمئة فأنزلها إلى مئة وخمسين ركعة في اليوم، وكانت له ختمة في كل سبع ليال.
كان ابن حنبل يتمثل الموت دائماً، وكان إذا ذكر الموت خنقته العبرة، ويردف قائلاً: «الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب»، كما كان شديد التعلق بالرسولﷺ، ولم يكن هذا التعلق بالحب والاهتمامبالحديث النبوي وحسب، وإنما بما يقع تحت يده من آثار النبيﷺ، فقد قال ابنه عبد الله: «رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبيﷺ فيضعها على فمه ويقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه، ويغمسها في الماء ثم يشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبيﷺ فغسلها في حُب الماء، ثم شرب فيها، ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه».[107][108]
ذاع علم أحمد بن حنبل واشتهر وهو حي يرزق، بل إن علمه بالحديث والأثر ذاع وهو لا يزال شاباً يتلقى العلم ويأخذ عن الشيوخ، وقد قال فيه أحمد بن سعيد الرازي وهو شاب: «ما رأيت أسْودَ الرأس أحفظ لحديث رسول اللهﷺ ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل»، وقال له شيخهالشافعي: «أنت أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان الخبر صحيحاً فأعلمني حتى أذهب إليه كوفياً كان أو مصرياً أو شامياً»، ورُوي عن الإمام الشافعي أيضاً أنه قال: «ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي»، وقال معاصرهعلي بن المديني: «ليس فينا أحفظ من أبي عبد الله بن حنبل»، وقال أيضاً: «أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة وهو يزداد خيراً».[110][111]
وينبغي الذكر أن أحمد بن حنبل كان يعرفاللغة الفارسية ويتكلم بها أحياناً، فقد رُوي أنه قدِم عليه منخراسان ابنُ خالته ونزل عنده، ولما قدَّم له الطعام كان ابن حنبل يسأله عن خراسان وأهلها وما بقي من ذوي أحمد بها، وربما استعجم القول على الضيف، فيكلمه أحمد بالفارسية.[112][113]
كان أحمد بن حنبل يمتاز بقوة الحافظة، وقد تضافرت الأخبار في ذلك يؤيد بعضها بعضاً، قال ابن حنبل: «كنت أذاكر وكيعاً بحديث الثوري، فكان إذا صلى العشاء خرج من المسجد إلى منزله، فكنت أذاكره، فربما ذكر تسعة أحاديث أو العشرة فأحفظها، فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أملِ علينا، فأمليها عليهم فيكتبونها». كما شهد معاصروه بقوة حفظه وضبطه، فقد قيل لمعاصره أبي زرعة: «من رأيت من المشايخ والمحدثين أحفظ؟»، قال: «أحمد بن حنبل».[114] وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا زرعة يقول: «كان أحمد بن حنبل يحفظ ألفَ ألفِ حديث»، فقيل له: «وما يدريك؟»، قال: «ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب».[115]
اتصف أحمد بن حنبل بالصبر والجَلَد وقوة الاحتمال، وهذه هي أبرز صفاته، وهي التي أذاعت ذكره ونشرت خبره، وقد كانت هذه الصفة المزاج الذي اختص به الإمام أحمد، فجمع بها بين الفقر والجود والعفة وعزة النفس والإباء، وبين العفو واحتمال الأذى، وهي التي جعلته يحتمل ما يحتمل في طلب العلم، غير وانٍ ولا راضٍ بالقليل منه، يجوب الأقطار ويقطع الفيافي والقفار، راكباً إن أسعفته الحال، وماشياً إن ضاقت النفقة، ولما صار له شأن وتصدى للدرس والإفتاء نزل به البلاء الأكبر والمحنة العظمى، فكانت تلك الصفة هي عهدته، وبها كانت أهبته، فقد صبر وصابر الذين أنزلوا به الأذى، حتى ملوا الأذى ولم يهن ولم يستكن، ولم يستخذلهم ولم يجبهم إلى قولهم.[116]
ومن الأخبار التي تدل على قوة جنانه وثباته أنه دخل على الخليفة في أيام المحنة، بعد أن هولوا عليه لينطق بما ينجيه ويرضيهم، وكانوا قد ضربوا عنق رجلين في حضرته، ولكنه في وسط ذلك المنظر المروع، وقع نظره على بعض أصحاب الشافعي، فسأله: «وأي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح على الخفين؟»، فأثار ذلك دهشة الحاضرين، وراعهم ذلك الجنان الثابت، حتى قال خصمهأحمد بن أبي دؤاد متعجباً: «انظروا لرجل هو ذا يُقدم به لضرب عنقه فيناظر في الفقه».[117][118]
كان أحمد بن حنبل متواضعاً متطامناً لعامة الناس، مقيلاً لعثراتهم، وقد حكى عنه تلميذه المروزي فقال: «لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلاً إليهم، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لا يتصدر، ويقعد حيث انتهى به المجلس».[119]
كان أحمد بن حنبل مهيباً من غير خوف، وموضعاً للإجلال والاحترام من غير رهبة، وكانت له هيبة حتى في نفس أساتذته، فقد كان بعض أساتذته يمزح مع بعض تلاميذه غير عالم بمكان أحمد من المجلس، فلما علم بمكانه لامهم إذ لم ينبهوه على وجوده حتى لا يمزح وهو في حضرته. وكانت الشرطة تهابه أيضاً، أما هيبة تلاميذه له فأعظم من ذلك، فقد قال فيه أحد تلاميذه: «كنا نهاب أن نرد أحمد في الشيء أو نحاجه في شيء من الأشياء»، وقال أحد معاصريه الذين تتلمذوا له: «دخلت على إسحاق بن إبراهيم، وفلان وفلان من السلاطين، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرت إليه أكلمه في شيء فوقعت علي الرعدة حين رأيته من هيبته»، وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام: «جالستأبا يوسفومحمد بن الحسنويحيى بن سعيدوعبد الرحمن بن مهدي فما هبت أحداً منهم ما هبت أحمد بن حنبل».[120][121][122]
كان أحمد بن حنبل يوصف بالحُسن، قال أحمد بن العباس بن الوليد النحوي: سمعت أبي يقول: رأيت أحمد بن حنبل رجلاً حسن الوجه، ربعة من الرجال، يخضب بالحناء خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، ورأيت ثيابه غلاظاً إلا أنها بيضاء، ورأيته مُعتمَّاً وعليه إزار. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: خضب أبي رأسه ولحيته بالحناء وهو ابن ثلاث وستين سنة.[123] وكانت تعلوه سكينة ووقار وخشية، وكان نظيفاً في ملبسه، أنيقاً في هيئته في نطاق الحِفاظ على زهده، وقد وصفه تلميذهعبد الملك بن عبد الحميد الميموني بقوله: «ما أعلم أني رأيت أحداً أنظف ثوباً ولا أشد تعاهداً لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ولا أنقى ثوباً وشدة بياض من أحمد بن حنبل».[124][125]
كان أحمد بن حنبل منقطعاً إلى العلم بصفة عامة وللحديث بصفة خاصة، ولذلك فإنه ترك رصيداً نفيساً من المؤلفات تندرج جميعاً تحت باب الحديث أكثر من اندراجها تحت أي باب آخر من العلوم الدينية، وحتى تلك التي لا يدل اسمها على أنها كتب حديث تعتمد أكثر ما تعتمد على الأحاديث النبوية، تأخذ منها مادتها وتنسج منها موضوعاتها.[126]
أما الكتب التي تنسب للإمام أحمد فهي:
المسند، وقد قام الإمام أحمد بجمعه طوال أيام حياته، وضمَّنه ثلاثين ألف حديث حسب رواية أبي الحسن بن المناوي، وذهب قوم إلى أن عدد أحاديث المسند أربعون ألفاً، على أن أحاديث المسند قد انتقيت من سبعمئة وخمسين ألف حديث رويت من أكثر من سبعمئة صحابي، وكان الإمام أحمد يُملي الأحاديث على خاصته وخصوصاً ولده عبد الله، كما كان يسجل بعضها في كثير من الأحيان بنفسه، ولكنه توفي قبل أن يُخرج العمل الكبير للناس بنفسه، فقام ابنه عبد الله على إعداده، وإضافة بعض ما سمع من أحاديث صحيحة نصَّ على أنه أضافها بعد وفاة أبيه.[127]
العلل ومعرفة الرجال، برواية ابنه عبد الله.يُعدمسند الإمام أحمد من أشهر كتبالحديث وأوسعها
الأسامي والكنى.
سؤالات أبي داود.
العلل ومعرفة الرجال، برواية المروذي وغيره.
مسائل الإمام أحمد، برواية ابنه عبد الله، وآخر برواية ابنه أبي الفضل صالح، وآخر بروايةأبي داود السجستاني.
الأشربة: قالابن تيمية "وصنف الإمام أحمد كتاباً كبيرا في الأشربة ما علمت أحدا صنف أكبر منه وكتابا أصغر منه وهو أول من أظهر في العراق هذه السنة حتى إنه دخل بعضهم بغداد فقال هل فيها من يحرم النبيذ فقالوا لا، إلا أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمة وأخذ فيها بعامة السُنّة حتى إنه حرم العصير والنبيذ بعد ثلاث".[128]
أكثر العلماء من الثناء على أحمد بن حنبل قديماً وحديثاً، ومن ذلك قول الإمام الشافعي: «ثلاثة من عجائب الزمان، عربي لا يُعرب كلمة، وهوأبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة، وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئاً صدقه الكبار، وهو أحمد بن حنبل»، وقال أيضاً: «خرجت من بغداد وما خلفت بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل».[115][138] وقالالربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: «أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة».[139][140]
قال قرينه ومعاصره القاسم بن سلام: «انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل،وعلي بن المديني،ويحيى بن معين، وأبي بكر بن شيبة، وأحمد أفقههم فيه»، وقال أيضاً: «ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة منه».[141]
قاليحيى بن معين: «والله ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد ولا على طريقة أحمد»،[141] وقال أيضاً: «ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبته خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير».[142]
وقالإسحاق بن راهويه: «كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا، فكنا نتذكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فأقول: ما مراده؟ ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل».[143] وقال أيضاً: «الإمام أحمد بن حنبل حجة بين الله - تبارك وتعالى - وبين عبيده في أرضه».[144]
قالعلي بن المديني: «اتخذت أحمد بن حنبل إماماً فيما بيني وبين الله، ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله؟»، وقال إبراهيم بن إسماعيل: قدم علينا علي بن المديني، فاجتمعنا عنده فسألناه الحديث، فقال: «إن سيدي أحمد بن حنبل أمرني ألا أحدِّث إلا من كتاب»، وقال: «ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدِّث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة».[145]
قال أبو عمير عيسى بن محمد الرملي: «رحمه الله، عن الدنيا ما كان أصبره! وبالماضين ما كان أشبهه! وبالصالحين ما كان ألحقه! عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها».[146]
أثنى الشيخ أبو زكريا السلماسي على أحمد بن حنبل فقال:[147]
أحمد بن محمد بن حنبل هو شيخ الأئمة، ومزكي الأمة، وأوحد الملة، رفيع القدر والهمة، صيرفي الأخبار، وقدوة العلماء في معرفة الآثار، إليه في فنونها الرَّد والقبول، وله في عيونها الغُرر والحجُول، إمام الأنام، مفتي الأمة في الحلال والحرام، في علم الحديث بحر زخار، وفي علم الفقه سماء مدرار، وفي الزهد والتقوى الحسن البصري، وفي الرقائق والدقائق ذو النون المصري، وفي الورع سفيان الثوري، مالك أزمة العلوم في عصره، القائم بإحياء الدين ونصره، عزَّ بمكانه التقى، وتحصَّن في جنابه الهدى، واعتدل ميْل الإسلام برأيه، وانهزم خيل الباطل من حججه وآيه، أقوى من ضُرب في عصره عن بيضة الدين بالحسام المرهف، وأعلم من تمكّن في وقته في شاهق الملة الحنيفية من الشعب الأشرف، مشاهده في الذب عن حريم السنة مشهورة، ومآثره في جمع الحديث مأثورة، وآية صبره في نصره السنة على جبينها مسطورة، تفسيره للقرآن در منظوم، ومسنده للحديث روض مرهوم، وسائر تصانيفه في أنواع العلوم وشيٌ مرقوم، مسائله في الفقه جنة عالية، قطوفها دانية، ورَدُّه على الزنادقة دعوى التناقض على القرآن روضة زاهرة زاهية، ومقاماته في تمهيد قواعد السنة ظاهرة بادية، أبقى لنفسه بذلك ذكراً سائراً وشرفاً شاهراً، سحب بمكانه أذيال الفخر على السحائب، وجاز به أعلى المراتب والمناصب، رضيت حكمته الحكماء، واختص بثمرة قوله "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"، سار فضله في البدو والحضر مسير الشمس والقمر، شجرته في النسب خليلية الأصول والأغصان، إسماعيلية الفروع والقضبان، ربيعية الأوراق والأفنان، شيبانية الأعراق والقنوان، ذهلية الأخلاق في جميع الشأن، فهو إمام الأئمة للإسلام بمدينة السلام، عليه أفضل التحية والسلام،
وختمي بالسلام على إمامٍ
بنى في قمة العلياء بيتاً
وإني كلما أَمَّمْت قصداً
نجيحاً صُغت في معناه بيتاً
وقالأحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود رأس أحفظ لحديث رسول اللهﷺ ولا أعلم بفقه معانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل.[144]
وقالابن ماكولا: الإمام أحمد هو إمام النقل، وعلم الزهد والورع. وقال غير واحد من أئمة الدين: الإمام أحمد إمامأهل السنة.[148]
وقال الإماممحمد السفاريني الحنبلي في لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية:[148]
«الإمام أحمد هو إمامأهل السنة بلا محال، فهو المبيض وجه السنة، النافض عن وجهها غبار البدعة، فكل سنيأثري فهو إمامه. فإن قلت: إذا كان مذهبالسلف هو ما عليه الأئمة جميعا تبعاللتابعينوالصحابة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين، وهو الذي كان عليه سيد المرسلين وخاتم النبيين، فكيف ينسب هذا المذهب للإمام أحمد دون من تقدمه من أئمة الدين؟ قلت: الأمر كما ذكرت، والحق كما استخبرت، وهذه المقالة هي الشريعة الغراء، ومقالة أهل الفرقة الناجية بلا محالة، ولا يرتاب ذو لب لبيب، ورأي صحيح مصيب، أنها هي التي كان عليها النبي الحبيبﷺ وأصحابه أهل الإصابة والتصويب، والتابعين لهم بإحسان من أهل التفصيل والتبويب. ولكن لما كان في المائة الثالثة اشرأبت الفتن، واستعلنت البدع والمحن، وقامت دولة أهل الابتداع على ساق، وأعلن بقواعدأهل الاعتزال ذوو الضغائن والنفاق، وساعدهم على ذلك أئمة الجور والخلفاء الفساق، قام الإمام أحمد كالنمر الهصور، لا، بل كالبحر الطامي والرئبال الجسور، فرد كيدهم في نحورهم، وألقى بلابلهم في صدورهم، فقمع مقالتهم وزيفها عليهم، وبين فسادهم بكل حال، فردهم على أعقابهم خائبين لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، فلا جرم نسب المذهب إليه; لأنه المقصود إذ ذاك بالذات والمعول عليه، فإنه هو الذي انتصر للحق ونصره، وشدخ رأس أهل البدع وهصره، وبين الصحيح من الفاسد، والغث من السمين، والحق من الباطل، والصدق من المين.
إلى أن يقول:
فلما انتصر الإمام أحمد - رضي الله عنه - للسنة السنية،والفرقة الناجية المرضية، وقمع أهل البدع، وزيف مقالتهم، وأدحض بدعتهم، وأظهر ضلالتهم، صار هو علم السنة وإمامها، وصاحبها وخليلها ومقدامها، حتى إن الإمامأبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام الطائفةالأشعرية انتسب إلى الإمام أحمد، ورأى اتباعه على عقيدته هو المنهج الأحمد، قال في كتابه "الإبانة في أصول الديانة" لما أنكر قولالمعتزلةوالقدريةوالجهميةوالحروريةوالرافضةوالمرجئة: فإن قال قائل : "فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله وسنة نبيهﷺ وما روي عنالصحابةوالتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل - نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون; لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين".»[148]
أماكن انتشار المذهب الحنبلي (اللون الأخضر الغامق) في العالم
قل المعتنقون لمذهب أحمد بن حنبل في كل البلاد الإسلامية في العصور السابقة، حتى أنهم لم يكثروا في سواد الأمة قط في الماضي، ومع كثرة العلماء في هذا المذهب ومع قوتهم في الاستنباط والاستدلال وإطلاقهم لأنفسهم الحرية في الاستنباط، وإن تقاصرت الهمم في بعض العصور، كان أتباع المذهب من العامة قليلاً، حتى أنهم لم يكونوا سواد شعب من الشعوب في وقت من الأوقات إلا ما كان من أمرهم فينجد فيالقرن التاسع عشر، ثم فيالحجازوتهامة كلها فيالقرن العشرين منذ تأسيسالمملكة العربية السعودية والتي اعتمدته مذهباً رسمياً لها.[149]
أما أسباب قلة انتشار المذهب الحنبلي فقد أثار الباحثون ذلك السؤال وتصدوا للإجابة عنه، فقد قالابن خلدون: «وأما أحمد بن حنبل فمقلده قليل، لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية وللأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظاً للسنة ورواية الحديث»، وقد رد عليه الأستاذمحمد أبو زهرة فقال:
«وإن ذلك لا يصلح تعليلاً لهذه العلة، لأن الأصل غير صحيح، فليس ذلك المذهب قليل الاجتهاد، فقد علمنا أنه المذهب الذي فتح باب الاستنباط على مصراعيه في غير النص، وأن كثرة المتقدمين أو كلهم هم الذين قرروا أن باب الاجتهاد المطلق لا يغلق قط،... وإن سلمنا صحة هذه الدعوى التي يدعيها ابن خلدون تسليماً جدلياً، فقررنا أن الاجتهاد في المذهب الحنبلي قليل، مع أن كل الأسباب التي بين أيدينا تناقض ذلك، فلن نسلم أن العامة يتَّبعون المذاهب لقلة الاجتهاد أو كثرته، إنما العامة يتبعون المذاهب لوجود الدعاة إليها، وذوي السلطان المعتنقين لها، وعندئذ يكون العامة تابعين لهم.[150]»
واقترح بعض الباحثين أن جملة أمور تضافرت فمنعت المذهب الحنبلي من الذيوع والانتشار بين العامة، ومن هذه الأسباب أنه جاء آخرالمذاهب الأربعة وجوداً، وكان الإمام أحمد وأتباعه من بعده لا يقربون السلطان ولا يحبون الولاية ولا يسعون إليها ولا يريدونها، تقليداً لإمامهم واتباعاً لمسلكه، فإذا كان سلطان القضاة قد كان له أثره في نشرالمذهب الحنفي بين أهل العراق،والمذهب المالكيبالأندلسوالمغرب، فإن عدم تولي الحنابلة القضاء قد كان سبباً في قلة ذيوع المذهب الحنبلي بين العامة، وإن كان له علماء اجتهدوا فيه، وأخلصوا النية في اجتهاده. وقد لاحظ هذا المعنىابن عقيل الحنبلي فقال: «هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه، لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع أحد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات، فكانت الولاية سبباً لتدريسه واشتغاله بالعلم، فأما أصحاب أحمد فإنه قل منهم من تعلق بطرف من العلم إلا يخرجه ذلك إلى التعبد والزهد، لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم».[151]
ومن الأسباب في عدم انتشار المذهب الحنبلي أن البلاد الإسلامية عندما أخذ ذلك المذهب يذيع وينمو قد اعتنقت مذاهب مختلفة، فالمذهب الحنفي كان فيالعراق، والشافعي كان فيالحجازوتهامةوالشامومصر، والمالكي كان فيالمغرب وغير ذلك، وقد جاء الإمام أحمد بعد هؤلاء الأئمة، فجاء مذهبه بعد مذاهبهم، ولكي يسود كان يجب أن يزيلها من طريقه أو يُضعف شأنها، ولم يكن في معتنقيه تلك القوة، ولم يكن من الدولة عون، بل كانت أحوال معتنقيه تُنفِّر الناس والدولة، فاجتمع له ضعف من العامة الذين اعتنقوه، ومحاربة من الناس والسلطان، وعدم وجود فراغ يملؤه.[151]
انتشر المذهب الحنبلي في أول أمره فيالعراق وبعضبلاد ما وراء النهر، وكانت له في بعض الأوقات غلبة في بغداد، ولكن لم تلبث أن ضعفت بسبب الفتن التي كان يثيرها تشدد بعض الأتباع من العامة، واتخاذ العنف سبيلاً لإظهار ذلك، ثم قل المقلدون له.[151]
لم يظهر المذهب الحنبلي فيمصر إلا فيالقرن السابع الهجري، ولقد قالالإمام السيوطي في الحنابلة: «وهم بالديار المصرية قليل جداً، ولم أسمع بخبرهم فيها إلا في القرن السابع وما بعده، وذلك أن الإمام أحمد رضي الله عنه كان في القرن الثالث، ولم يبرز مذهبه خارج العراق إلا في القرن الرابع، وفي هذا القرن ملكالعبيديون مصر، وأفتوا من كان بها من أئمة المذاهب الثلاثة قتلاً ونفياً وتشريداً، وأقاموا مذهب الرفض والشيعة، ولم يزولوا منها إلا في أواخر القرن السادس، فتراجعت إليها الأئمة من سائر المذاهب، وأول من علمتُ من الحنابلة حلوله بمصر الحافظعبد الغني المقدسي صاحب العمدة».[151][152]
ويظهر من هذا أن المذهب الحنبلي ما جاوز ربوع العراق قبلالقرن الرابع الهجري، ولما جاء إلى مصر في ذلك الإبان كانتالدولة الفاطمية تحكمها، ولما زالت تلك الدولة خلفتهاالدولة الأيوبية التي كان ملوكها من أتباع المذهب الشافعي، فلم يسمحوا لغيره من المذاهب بالانتشار، إلا ما كان له تأييد من العامة كالمذهب المالكي، ولم يكن للمذهب الحنبلي ذلك النفوذ من قبل، ولما أخذ نفوذ الدولة الأيوبية يضعف أخذ ذلك المذهب ينتشر في مصر، وقد جاء في كتاب «الخطط المقريزية» أنه لم يكن له وللمذهب الحنفي كبير ذكر بمصر في الدولة الأيوبية، ولم يشتهر إلا في آخرها.[151] لكن المذهب الحنبلي يدرس فيالمعاهد الأزهريةوجامعة الأزهر بمصر[153]
وقد كان كثير من علماء الحنابلة يأوون إلىدمشق وغيرها من الأمصار الإسلامية، وأولئك هم الذين قاموا على ذلك المذهب وخدموه ونقلوه وفسروه وأكثروا من تخريج المسائل عليه.[151][154]
ولم يكن المذهب الحنبلي منتشراً في إقليميالحجازوتهامة، وذلك لأن الأماكن الإسلامية المقدسة كانت حقولاً علميةً مناسبةً لالتقاء جميع المذاهب الإسلامية، ومن المرجّح أن تكون نجد هي الموطن الأساسي للمذهب، ومنها انتشر فيجزيرة العرب، ومن المرجّح أيضًا أن المذهب أخذ شهرته في نجد عن طريقالشام. وقد كانت أجزاءالمملكة العربية السعودية في مطلعالقرن الرابع عشر الهجري تنتشر فيها المذاهب الفقهية الأربعة، حيث يتّبع أهلالأحساءالمذهب المالكي بشكل عام، تبعًا لانتشاره فيالخليج العربي، ويوجدالمذهب الشافعي فيتهامة، وتجتمع المذاهب الأربعة فيالحجازوتهامة حيث الحرمان الشريفان فيالمدينةومكة، أما المذهب الحنبلي فيكاد ينحصر في نجد.
كما أن للحنابلة وجوداً فيعُمان، حيث يتركز وجودهم في منطقة جعلان، وكذلك لهم وجود في بعضقرى البريمي. وقد دخل المذهب الحنبلي إلىالكويت عن طريق الأسر النجدية التي نزحت إلى الكويت، وكذلك بسبب الصلات العلمية والتجارية.[155]
^محمد حسين هيكل (2022).الصديق أبو بكر. مؤسسة هنداوي. ص. 205 و206. مؤرشف منالأصل في 2023-10-23.انضمت بعض قبائل العراق إلى جيوش المسلمين وحاربت في صفوفهم جيوشَ كسرى
^ابن حنبل: حياته وعصره - آراؤه وفقهه، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ص14-15
^انظر أيضاً: الأئمة الأربعة، مصطفى الشكعة، ج4 ص9-14
^انظر أيضاً: مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ابن الجوزي، الباب الثاني والستون: في ذكر عدد زوجاته، ص402-405، والباب الثالث والستون: في ذكر سراريه، ص406-408، والباب الرابع والستون: في ذكر عدد أولاده، ص409-410
^انظر أيضاً: مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ابن الجوزي، الباب السادس والستون: في ذكر ابتداء المحنة وسببها، ص416-418
^الندوة العالمية للشباب الإسلامي (2003). الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة. المجلد الأول. دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض. ط 5 ص 125
^انظر أيضاً: مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ابن الجوزي، الباب الأربعون: في ذكر ماله ومعاشه، ص306-308، والباب الحادي والأربعون: في ذكر تعففه عن أموال الناس وظلف نفسه عنها وقطع طمعه منها، ص309-323
^مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ابن الجوزي، الباب التاسع والسبعون: في ذكر مرضه، ص540-548
^ابن تيمية (2001).مجموع الفتاوى (ط. الثانية). دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع. ج. المجلد الحادي عشر الجزء الحادي والعشرون. ص. 8.مؤرشف من الأصل في 2023-05-16.
^منازل الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، أبو زكريا يحيى بن إبراهيم الأزدي السلماسي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الطبعة الأولى، 1422هـ-2002م، ص232-233
^نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة، أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور، دار القادري للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ-1990م، ص82
^الندوة العالمية للشباب الإسلامي (2003). الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة. المجلد الأول. دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض. ط 5 ص 130
^انظر أيضاً: نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة، أحمد تيمور، ص81-84